|
خريستو المرّ – الثلاثاء ٦ آب / أغسطس ٢٠٢٤
جسدكَ الأرضُ. كانت أمّك تعرف رائحة الأرض من رائحة الطفولة في جسمك. تشمّها وتذكر الأرض التي منها نُزِعَت. وأمّ جارِكَ/أخيكَ كانت تشمّ في طفلها الأرضَ نضرةً حرّةً، قبل أن يدوسها ليلُ الغرباء. كنتَ تجوع وتعطَش فتسقيك أمّك حليب الضوء، ذاك الذي وحدهنّ الأمّهات يعرفن سرّه. كانت تسقيك وتقول في قلبها: سيكبرُ. وحين كبرتَ قليلاً كان الخبز والماء إليك. كنتَ تشرب الماء فترى أمُّك جداولَ الأمل في وجهك. فتُطعِمُكَ كرامة الأشجار الباسقة أمام الريح، وتُسِرُّ إليك: إيمانُ الشجر بالضوء أبقى من العاصفة. كانت تخادعُ الحقدَ المتربّص بك عند الباب لكي تكبرَ. وكانت ترى فيك ابنها الذي تحبّ، ابنها الذي ولدته للحرّية. وفي بئر ذكائها وحبّها كانت تسمع أغنياتٍ قديمة لأمّهات الأنبياء فتردّد: الحرُّ القلب غريبٌ عن الذلّ. لم تعرف والدتُك مصيرَك الآتي، ولكنّها عرفت أنّ المُلْكَ لله فلم تحاول أن تتملّكك. لذا كان حبّها الكبير منصّتك لكي تقفز إلى الحياة بثقة السروة. وفي عاصفة الجريمة اليوميّة آمنتَ أنتَ بالضوء الذي كان، والذي سيأتي. لذلك لم يَنَمْ قلبُك، ولم يَتوانَ عقلك عن طلب المستحيل، والمستحيل يخرّ أمام الذين يريدون ضفّة الحياة، فيمتطوه ويعبروا هدير الموت. وإذا عبروا صار الضوء خبزاً كثيراً للذين أخلصوا لنداء الحياة، ماتوا أم عاشوا، أولئك المحبّين الذين يبقون على حبّهم، حتّى لو عاشوا، ثمّ قُتِلوا، ثمّ أُحرقوا، فصاروا كالهباء، ثمّ أُحيوا، ثمّ قُتِلوا، ألف مرّة ليشهدوا للحبّ. فهم الذين يريدون أن تكون الحياةُ وتكونَ أوفر للناس، ولذلك لا يبدّلون تبديلاً. أحببتَ فكبُرتَ. وإذا بالأرض لباساً لك، وإذا بك لباساً لها، إذ عشقت الرؤية التي تقول: إني أحببتُ، وحسبي الحبّ. أعابوا عليك أنّك أحببت حتّى الموت لأنّ الحاقد ينسى أنبياءه، وما من نبيّ إلّا وتشرّد، ومات ضحيّة الرؤية التي أكلته كما أكلها. كنتَ لطيفاً إن دست الأرض، تدوسها كأنّك لا تدوسها، لكأنّك كنتَ تسكن إليها كما هي تسكن إليك، ولكأنّها تحملك بهدوء كما أنت تحملها في خلوة قلبك. كم تمنّيتَ ألّا يكون موتٌ، أن يحبّ الناس ويحيون، أن يلعب الأطفال كما يلعب الأطفال؛ ولكنّك علمت باكراً أنّ العدوَّ ليلُ الأطفال، فكان عليك أن تحمل النجوم المضيئة وتحميها إلى أن يتناهى الليل ويشرق النهار. وحماية النجوم مُكلفةٌ، فالنجوم تشتعلُ من دفء اللحم، وأنت لم تستعفِ البردَ بعد أن بتّ عاشق الرؤية التي تُحرّر من الموت. يقولون إنّك صرت اليوم تحت الأرض وهم لا يعلمون. والذين يعلمون، وأمّك، يعرفون أنّ اليوم الأرض هي جسدك، فإن رأيناها وشممناها نشمّك مع عبق الصعتر، وإن رأينا السرو نراك واقفاً، وإن سمعنا الجداول كان فيها صوتك مَقاماً علويّاً. ونعلم أنّك حيّ في الجزيرة البعيدة خلف العالم، وفي قصص الأمّهات عن الإيمان الأبقى من العاصفة. لقد رأينا المستحيلَ يخرّ أمامك لتمتطيه وتعبر، لقد رأينا جسدك جسراً تمدّه لنعبر. لك شكر الأمّهات، لك شكر النجوم، لك شكر النهار، لك شكر الجداول، لك شكر الأرض، لك شكر الرؤية، ولأمّك وأحبّتك الشكر.. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
November 2025
Categories |
RSS Feed