موقع خريستو المرّ
  • خريستو المر
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة

تماسك المجتمع: جبهة المقاومة المهملة

5/19/2026

 
خريستو المر، الثلاثاء 19 أيار 2026 (الأخبار)

لبنان اليوم أمام خطر عسكريّ هائل، يواجهه المقاومون ببسالة وعِلم وإعداد كبير، واستكمال هذه المقاومة العسكريّة يكمن في مواجهة خطر التفكّك الداخلي. فالمشاريع الاستعماريّة، ومنها الصهيونيّة، اعتمدت عبر التاريخ على أمرين: القوة العسكرية المباشرة، وتفكيك المجتمعات من الداخل إلى فئات تثبّتها في الأذهان كهويّات أبديّة، دافعة إيّاها للتصارع.

في لبنان، هذا أمر بدأته فرنسا بإرساء نظام طوائفيّ، هي التي تتمسّك بعلمنة متطرّفة حتّى اليوم، وهو أمرٌ يتابعه اليوم كلّ عدوّ للبلاد وعلى رأسهم العدوّ الصهيونيّ. إنّ حكم لبنان على أسس هويّاتية-طائفية يجعله عاجزاً عن بناء مشروع وطني جامع، وبالتالي يُبقيه بشكل دائم تحت تهديد التفكّك، ويُضعِفه.

المقاومة العسكريّة، على ضرورتها حاليّاً لغياب البديل، لا يمكنها مواجهة التفكّك، بحكم كونها منحصرة بهويّة طائفيّة. كلّ كلام عن نزع سلاح المقاومة اليوم يُضعِف المجتمع أكثر، ولكن، في المقابل، كلّ كلام عن متابعة الحياة السياسيّة في لبنان كما هي وكما كانت، يعني الاستمرار بمشروع تفكّك مجتمع بهويّات تقسّمه، واستمرار تبديد المجتمع بالهجرة، على حساب إمساك القائمين الحاليّين بالسلطة.

منذ نشأة «إسرائيل»، لم يكن الصراع معها مقتصراً على احتلال الأرض أو الاعتداء العسكري، بل شمل أيضاً محاولة مستمرّة لإضعاف المجتمعات المحيطة بها.
فالدولة الصهيونيّة، التي تقوم على تعريف مُغلق استعلائيّ إباديّ إحلاليّ، تجد مصلحتها في وجود كيانات ممزّقة ومتناحرة حولها، لأن المجتمعات المتماسكة، وتلك المتماسكة بتعدّدها، تشكّل نقيضاً مباشراً لوجودها. ولهذا، لم يكن عبثياً أن يرتبط تاريخ لبنان الحديث بالحروب الأهليّة، والتدخّلات الخارجية، وتعميق الانقسامات الطائفية والمناطقيّة، وأصابع الدولة الصهيونيّة واضحة في أكثر من مكان خلال الحرب الأهليّة. وهذا يندرج ضمن فكرة دفع المجتمعات العربية نحو التناحر الطائفي والمذهبي، وهو جزء من رؤية سياسيّة استعماريّة قديمة تقوم على تفكيك المنطقة إلى جماعات متصارعة يسهل التحكّم بها وإضعافها.

لذلك، فإنّ أي انجرار إلى خطاب الكراهية والتحريض الطائفي بين اللبنانيين أو العرب لا يخدم سوى مشاريع التفكيك والهيمنة، مهما كانت الاستفزازات، وهي كثيرة الحقارة اليوم. المطلوب وعي خطورة تحويل الخلافات السياسية إلى عداوات أهليّة طويلة الأمد تستنزف المجتمع وتدمّر إمكان قيامه. هذه ليست دعوة إلى نكران الاختلاف والتنوّع في المجتمع، فالاختلاف طبيعي وضروريّ إن كان يدور حول خيارات المجتمع كمجتمع لا كطوائف. المشكلة في الاختلافات تبدأ عندما يتحوّل الخطاب العام في السياسة، من نقاش سياسيّ حول خيارات ومصالح المجتمع، إلى تعبئة فئة ضدّ فئة أو طائفة أو منطقة، إذ يصبح المجتمع نفسه ساحة للتفكيك، وتصبح كل أزمة فرصة إضافية لتعميق الشرخ بدل البحث عن أرضية مشتركة.

إنّ نتيجة دولة الطوائف واضحة: دولة ضعيفة تخدم الخارج، واقتصاد متهاوٍ، ومجتمع يهجّر أولاده إلى الخارج، بينما أفراده يعيشون تحت رحمة قبضة من الزعماء أسرى الخوف من هويّة الآخر (المتخيّلة) وفي غياب حماية الدولة. التحدّي الأساس اليوم، من أجل مستقبل المجتمع، يكمن في إعادة رسم خطّ التماس الحقيقيّ: هل نحن مع تماسك المجتمع أم مع تفكّكه؟ هل نحن مع دولة المواطنين والمواطنات أم مع استمرار النظام الطائفيّ، تركة الاستعمار التي تعيد إنتاج الانقسام وتمنع قيام أي مشروع وطنيّ جامع، وتخدم العدوّ، وتُضعِف القدرة على المقاومة حتّى ولو أردنا أن نقاوم.

إنّ مواجهة الهيمنة الخارجيّة بجدّية كاملة، تعني مواجهة البنى الداخلية التي تُعيد إنتاج الضعف، وستصل بنا، عاجلاً أم آجلاً، إلى الاضمحلال. تماسك المجتمع لا يعني إلغاء التعدّد أو فرض رأي واحد، بل بناء مساحة مشتركة عابرة للطوائف والهويّات، مساحة مصالح مشتركة، من أمن مشترك، وحقّ طبابة مجّانيّة مشترك، وحقّ تعليم عام مشترك، ونقل مشترك، واقتصاد متماسك مشترك، وغير ذلك من الأمور التي تجمع جميع الناس على هذه الأرض، كعيال لله متساوين، وتحمي البلاد. ما البلاد إلّا مساحة حياة عيال الله المشتركة على أرض يحبّونها؟

إنّ مقاومة العدوّ، والظلم، والهيمنة، لا تكون بالقدرة العسكريّة فقط، بل بإنتاج نظام يحمي تماسك المجتمع، وإلّا فإنّه يُخشى أنّ التفكّك الذي يبدّد المجتمع حاليّاً، سيُتابِع إضعاف بيئة المواجهة العسكريّة، حتّى يبدّد قدرتها يوماً.

Comments are closed.

    الكاتب

    خريستو المر
    المقالات المنشورة في «الأخبار»

    الأرشيف

    June 2026
    May 2026
    April 2026
    March 2026
    February 2026
    January 2026
    December 2025
    November 2025
    October 2025
    September 2025
    August 2025
    July 2025
    June 2025
    May 2025
    April 2025
    March 2025
    February 2025
    January 2025
    December 2024
    November 2024
    October 2024
    September 2024
    August 2024
    July 2024
    June 2024
    May 2024
    April 2024
    March 2024
    February 2024
    January 2024
    December 2023
    November 2023
    October 2023
    September 2023
    August 2023
    July 2023
    June 2023
    May 2023
    April 2023
    March 2023
    February 2023
    January 2023
    December 2022
    November 2022
    October 2022
    September 2022
    August 2022
    July 2022
    June 2022
    May 2022
    April 2022
    March 2022
    February 2022
    January 2022
    December 2021
    November 2021
    October 2021
    September 2021
    August 2021
    July 2021
    June 2021
    May 2021
    April 2021
    March 2021
    February 2021
    January 2021
    December 2020
    November 2020
    October 2020
    September 2020
    August 2020
    July 2020
    June 2020
    May 2020
    April 2020
    March 2020
    February 2020
    January 2020
    December 2019
    November 2019
    October 2019
    September 2019
    August 2019
    July 2019
    June 2019

    Categories

    All

    RSS Feed

 ليس من حبّ أعظم من هذا : أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه: يسوع المسيح
  • خريستو المر
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة