موقع خريستو المرّ
  • خريستو المر
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة

الهيمنة ومسؤوليّة الانحياز

5/12/2026

 
خريستو المر - الثلاثاء 12 أيار 2026 (الأخبار)


يكشف التاريخ أنّ الاستعمار شكّل نظاماً عالمياً مستداماً تأسّس على العنف الممنهج، ونهب الموارد، وإخضاع الشعوب لخدمة مراكز القوّة. فمن الكونغو التي شهدت إبادة الملايين تحت الحكم البلجيكي، إلى الجزائر التي فقدت حوالي ثلث سكانها في بدايات الاستعمار الفرنسي، مروراً باستنزاف ثروات الهند ومحو السكان الأصليين في الأميركيتين، تكرّر النمط ذاته: السيطرة على الأرض، واستغلال الإنسان، وتحويل شعوب كاملة إلى أدوات ضمن آلة الربح الإمبراطوريّة. ولكي يتسنّى للمستعمر هذا كلّه لا بدّ له أن يقرّر مسبقاً أن يخطّ له خطّاً عنصريّاً استعلائيّاً، يعتبر حياة المستَعمَرين لا قيمة لها ويمكن إمّا قتلها أو تحويلها إلى شيء. تُمثّل هذه الوقائع بنية حيّة تواصل التحكّم بالعالم بأشكال مختلفة، لتتجسّد اليوم بوضوح صارخ في فلسطين ولبنان.
ما نشهده في لبنان، يتجاوز كونه مواجهة عسكرية معزولة، فهو في الحقيقة استمرار لمنطق صهيونيّ استعماريّ قائم على التوسّع، والإحلال، والإبادة. والمنطق الصهيونيّ هو استمرار للمنطق الاستعماريّ القديم. ومن هنا، ترتبط الحرب على لبنان عضويّاً بالاحتلال الصهيونيّ المستمرّ لفلسطين؛ فمنذ عام 1948، تداخل المساران عبر الاحتلال المباشر لقرى لبنانيّة، ومجازر موثّقة بحق المدنيين اللبنانيين، ومشاريع السيطرة التي لم تتوقّف. واليوم، حين يتحدّث سفّاحون في حكومة الاحتلال علناً عن فرض السيطرة على أجزاء من جنوب لبنان، فإن ذلك يأتي امتداداً لمنطق استعماريّ لا يمكن التعايش معه إلّا إذا تخيّل الإنسان أنّ التعايش ممكن بين الجلّاد والضحيّة.
إلى جانب القوّة العسكرية، تعتمد المشاريع الاستعماريّة منهجية تفكيك المجتمعات من الداخل لإضعاف قدرتها على المقاومة. وفي لبنان، جاء تكريس النظام الطائفي خلال الانتداب الفرنسي كأداة سياسية لتأسيس الانقسام ومنع تشكل مشروع وطنيّ موحّد، في مفارقة واضحة مع تبنّي القوى الاستعمارية هذه لخطاب العلمانيّة في بلادها. ولذلك، تتطلّب مواجهة الهيمنة الخارجية بالضرورة تفكيك البنى الداخلية التي تُعيد إنتاج الضعف والتشتت، وفي الحال اللبنانيّة هذا يعني حُكماً تفكيك النظام الطائفيّ وإرساء دولة تعامل الناس كمواطنين ومواطنات، كما يختبر اللبنانيّون واللبنانيّات في بلاد المهجر في أوروبا والأميركيّتين ومعظم شرق آسيا.
لا نتوقّع من القوى الاستعماريّة مساعدتنا في ذلك، بل من مصلحتها استمرار النظام الطائفيّ؛ والواقع أنّ كل قبول للنظام هو عمل يصبّ في مصلحة أعداء البلاد. ولا بدّ من التعريج على «المعايير المزدوجة» التي نراها في السياسة الدوليّة؛ هذه الازدواجيّة ما هي إلّا تعبير عن عنصريّة بنيويّة عميقة في أنظمة الاستعمار القديمة، هذه العنصريّة مستمرّة وتحدّد بالنسبة إلى تلك الحكومات أيّ شعوب تستحق الحقوق وأيّها تُحرم منها. لذلك يُوصم حقّ المقاومة بـ«الإرهاب» عندما يمارسه المستضعفون الذين يحدث أن يكونوا ضمن الشعوب التي يريدون نهبها، بينما يُشرعن عنف الدول القوية بوصفه دفاعاً عن النفس. وهذه القوى الاستعماريّة تُسقِط صفة الشرعيّة عن أي فعل مُقاوِم بغض النظر عن هويّته الأيديولوجية؛ واستمرار سجن المناضل جورج عبد الله في فرنسا في تجاوز لكل معايير العدالة، رغم خلفيته الشيوعية، يُثبت أن المستعمر يُجرّم فعل المقاومة ذاته، لا هويّته الأيديولوجيّة، كونه يهدد آليات سيطرته.
بالإضافة إلى تفكيك المجتمع وتجريم فعل المقاومة واستعمال القوّة العسكريّة، لفرض هيمنتها، تتّخذ من الاقتصاد سلاحاً فتاكاً. لقد أصبحت العقوبات الأحادية، والحصار، والتحكم بالموارد، أدوات مركزية للإخضاع؛ وحين يُحرَم شعب من الغذاء أو الدواء وتتسبب هذه السياسات بملايين الوفيات (28 مليون شخص قُتلوا بسياسات العقوبات بين 1971-2001 بمعدّل نصف مليون إنسان سنويّاً)، فإنّنا أمام حرب إبادة صامتة، وإن تغلّفت بلغة ديبلوماسيّة.
لمَ كلّ ذلك؟ من أجل الربح ولا شيء غير الربح. يُشكّل محرّك الربح الرأسمالي الشّرِه العصب الأساسي لهذا الاستعمار؛ إذ يفرض تنافساً محموماً لزيادة العائدات عبر خفض التكاليف، وهو ما يُترجم عمليّاً بافتراس حقوق العمّال والتشريد، ولكن أيضاً بالاستعمار أي بالقتل والإبادة والتهجير القسريّ. من لا يعرف ذلك لا يزال يعيش خارج تاريخ هذا الكوكب، الماضي والحاضر. لا يمكن القضاء تماماً على هذا النهج الافتراسيّ بين البشر دون تجاوز النظام الرأسماليّ، أقول ذلك من منطلق إنجيليّ.
غير أن أخطر أشكال الاستعمار يتسلّل إلى وعي الناس أنفسهم. تسعى الهيمنة إلى تشكيل وعي المستعمَرين، لتخلق فئات تتماهى مع المستعمِر، وتتبنى نظرته إلى العالم، وتنظر إلى تاريخها ومجتمعها بعين الاحتقار. وتُفرز هذه الحال طبقة من «الكومبرادور»؛ نخباً وسياسيين يمارسون التبعيّة للمركز المهيمن سعياً وراء الامتيازات والمكاسب، فيبدو أحدهم متذلّلاً أمام القوّة الأجنبية، ومستعلياً على أبناء شعبه في الوقت نفسه. هكذا، لا يعود الاستعمار مجرّد سيطرة خارجية، بل يتحوّل إلى استعمار للوعي والروح، يُعاد إنتاجه من داخل المجتمع نفسه.
ورغم ذلك، تظل الهيمنة قابلة للكسر؛ فقد أثبتت تجارب الشعوب أنّ القوة العسكرية تعجز عن فرض سيطرة دائمة على المجتمعات المقاوِمة. غير أن هذا الصمود يتطلّب مقوّمات تتجاوز العمل العسكري؛ إذ عليه أن يستند إلى العدالة الداخلية، والتماسك الاجتماعي، وتأسيس بُنية دولة عابرة للطوائف. لنصل إلى ذاك المرتجى، يتراكم التغيير كفعل مستمر ينبثق من إصرار المقهورين، حيث تُشعّ كل خطوة نحو العدالة حياةً في مجتمع المستضعفين، ويحمل المقاوِمون وجه الحقيقة النازف ليُشكّلوا ملامح فجر التحرر المرتكز على مجتمع متماسك عابر للطوائف، في دولة حقيقيّة تعامل الناس كمواطنين ومواطنات.
في النهاية، يتجاوز السؤال حدود ما يحدث في فلسطين ولبنان ليطاولنا كلّ بمفرده وكلّنا معاً: أين نقف من كل ذلك؟ يُشكّل الحياد أمام الظلم انحيازاً ضمنياً إلى جانب الأقوى. وكما كتب فرانز فانون: «على كل جيل أن يكتشف مهمته التاريخية وأن يختار موقعه منها»، وهذه مسؤوليّة لا يمكن التنصّل منها، فمن انكفأ وقف عمليّاً مع الظالم.
الشعب الذي يريد أن يحيا بحرّية لا طريق له سوى الوقوف بثبات ورفض الاستسلام، قد ينهزم في معركة أو أخرى لكن لا يستسلم للظلم والاحتلال. وسط كلّ هذا، تبقى حقيقة الإنسان، التي تميّزه عن الحيوان، بأنّ الكرامة الإنسانيّة لا تكمن في مجرّد البقاء على قيد الحياة، وإنّما تتجسّد في القدرة على العيش بحرّية وعدالة ومساواة. هذه الحقيقة هي البوصلة التي تحدّد معنى أن يبقى الإنسان إنساناً مخلصاً لحقيقته في مواجهة القهر فيرفض الذلّ، ويدافع عن كرامته وكرامة شعبه، ويدفع تجاه تماسك المجتمع.

Comments are closed.

    الكاتب

    خريستو المر
    المقالات المنشورة في «الأخبار»

    الأرشيف

    June 2026
    May 2026
    April 2026
    March 2026
    February 2026
    January 2026
    December 2025
    November 2025
    October 2025
    September 2025
    August 2025
    July 2025
    June 2025
    May 2025
    April 2025
    March 2025
    February 2025
    January 2025
    December 2024
    November 2024
    October 2024
    September 2024
    August 2024
    July 2024
    June 2024
    May 2024
    April 2024
    March 2024
    February 2024
    January 2024
    December 2023
    November 2023
    October 2023
    September 2023
    August 2023
    July 2023
    June 2023
    May 2023
    April 2023
    March 2023
    February 2023
    January 2023
    December 2022
    November 2022
    October 2022
    September 2022
    August 2022
    July 2022
    June 2022
    May 2022
    April 2022
    March 2022
    February 2022
    January 2022
    December 2021
    November 2021
    October 2021
    September 2021
    August 2021
    July 2021
    June 2021
    May 2021
    April 2021
    March 2021
    February 2021
    January 2021
    December 2020
    November 2020
    October 2020
    September 2020
    August 2020
    July 2020
    June 2020
    May 2020
    April 2020
    March 2020
    February 2020
    January 2020
    December 2019
    November 2019
    October 2019
    September 2019
    August 2019
    July 2019
    June 2019

    Categories

    All

    RSS Feed

 ليس من حبّ أعظم من هذا : أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه: يسوع المسيح
  • خريستو المر
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة
  • المقالة الأسبوعيّة