|
خريستو المرّ، الثلاثاء ١٠ كانون الأوّل / ديسمبر ٢٠٢٤
عندما يطّلع الإنسان على المعطيات النفسيّة التي تشرح ميلنا كبشر إلى التفكير الانشطاريّ، وإلى تقسيم العالم بين أبيض وأسود، لا يُذهله ما يراه من تركيز على حقيقة واحدة، واستسهال الاتّهام بدعم ديكتاتوريّة الأسد لـمَن يعبّر عن قلقه لمصير المنطقة (حتّى ولو فرح بسقوط حكم ديكتاتوريّ)، أو الاتّهام بخيانة فلسطين لمن يعبّر عن فرحه بسقوط الحكم الديكتاتوريّ في سوريّا. هناك فريقين: واحد منهما يفرح للحرّية وينسى الهجمة الاستعماريّة المذبحيّة حوله، وآخر يخاف من الذين استلموا السلطة وينسى الهويّة الديكتاتوريّة للحكم الساقط والأجساد والنفوس التي سحقها. الواقع أنّ مَن أراد أن يحيا في وئام مع مبادئه جميعا، وليس بعض مبادئه فقط، هناك أضّاد في مواقفه ينبغي عليه أن يحمل عناءها، وهو أكثر ما ينطبق في الموقف من الديكتاتوريّة السوريّة منذ عام ٢٠١١ وهو ما قسم الناس ليس فقط في بلادنا وإنّما أيضا في المهجر. عندما يقول إنسان أنّ الحكم الساقط هو حكم ديكتاتوريّ طاغٍ، قتل من شعبه ما رأيناه على الشاشات، وسجن مَن نراهم يخرجون الآن في أوضاع مرعبة، كنّا نعرفها في روايات مَن خرجوا، فهذا أمر واقع وتوصيف. أيّ حسّ إنسانيّ عاديّ لم يقتله صاحبه يشعر بالفرح ولو لنسمة حرّية. هذا الفرح الفطريّ لا يحمل موقفًا سياسيّا، وهذا ما لا يفهمه الكثيرون ممَّن يقلقون لسقوط الحكم الديكتاتوريّ، ويتعجّبون من فرح الناس، بل وبعضهم يستنكره. كيف يمكن أن يستنكر الإنسان فرح إنسان وجد الهواء بعد اختناق؟ لا يمكن أن يبرّر إنسان التنكيل بضرورة مواجهة إسرائيل، قد يقول لا أملك أن أغيّر الواقع، وعليّ أن أتعامل معه، ولكن لا يبرّره أو ينكره. وعندما يقول إنسان آخر أنّ الحكم الديكتاتوريّ ليس الواقع الوحيد الذي يجب أن ننظر إليه في الأحداث، فطالما أنّ الإنسان يحلم بالحرّية (عداك عن تحرير فلسطين) هناك ضرورة ليفكّر الإنسان بهويّة الذي يموّل ويسلّح ويدعم القوى التي وقعت البلاد بين أيديها، تركيا ومن ورائها أميركا وإسرائيل وحلفائها من الحكّام الديكتاتوريين العرب. وبالتالي، هناك ضرورة أن يقلق الإنسان على اليوم والغد، وأن يخشى ألّا يكون سقوط النظام خطوة نحو الحرّية، وإنّما نحو استبداد آخر، وتفتيت وتدمير أكبر. فهذا ليس بموقف داعم للبطش أو لمنطق تحالف الأقلّيات (المفتِّت بالفعل). كيف لا يقلق الإنسان من ألّا يصل إلى الحرّية حين يدعم المنتصرين مَن هم أعداء الحرّية؟ هذان الموقفان الضدّان في الظاهر: الشعور بالفرح لسقوط أحد الديكتاتوريّات الكثيرة بين المحيط والخليج، والشعور بالقلق حول مصير سوريّا والمنطقة، كلاهما شرعيّان، وكلاهما ضروريّان. فقد عرفنا عبر التاريخ مناضلين من أجل الحرّية ينقلبون على هدف التحرّر ما أن يستتبّ الأمر لهم. هذا تخوّف مشروع من كلّ طرف يحمل السلاح ليحرّر، لأنّ الانجراف إلى منطق «حماية الانتصار» يطغى على ما عداه ما أن يستلم الفريق المنتصر الحكم. والتاريخ حافل بالذين انقلبوا على ما قاتلوا من أجله. الذين يناضلون من أجل فلسطين، بالمقاطعة أو بالسلاح، عليهم أن يقيموا حسابا لهذا الخطر ضمن الحسابات الكثيرة التي لا يُحسدون عليها. كما أنّ الذين يفرحون الآن بالتحرّر من الحكم الديكتاتوريّ عليهم أن يقيموا حسابا للأمر نفسه، فالديكتاتوريّة نفسها التي سقطت أتت ثورة للحريّة (وحدة، وحرّية، واشتراكيّة، لم يتحقّق منها هدف). في خضمّ التخوينات المتبادلة، ورغم خلافي مع المخوّنين (قضيت وقتا طويلا البارحة في محاولة تقريب وجهات النظر في مجموعة)، أجد أنّ الفريق المتحفّظ والقلق من الجماعات المسلحّة، ومَن وراءها، هو الفريق الأقرب إلى الواقع. وهذا التقدير يستند إلى تاريخ حديث من الثورات من ليبيا إلى العراق، وإلى واقع الطائرات الاسرائيليّة المغيرة على سوريا، والمذبحة المستمرّة في غزّة، وإلى أنّ، عدا معظم الشعب السوريّ الذي يحقّ له الاحتفال، مَنْ يحتفل بسقوط الحكم الديكتاتوريّ هو الأنظمة الديكتاتوريّة العاملة ليلا ونهارا مع إسرائيل لإكمال المذبحة بحقّ الفلسطينيّين (واللبنانيّين). مَن لا يقرأ الأحداث كجزء من كلّ المنطقة ولا يأبه إلّا لما يحدث اليوم وفي بلده فقط، لن يعجبه هذا الكلام، ولكنّه الواقع أعجبنا أم لم يعجبنا: نحن نعيش أكبر أزمة استعماريّة منذ الصليبيّين وحتّى اليوم، وهو استعمار – لمن لم يلاحظ بعد- سيكون أشدّ قمعا وتنكيلا وأوسع استغلالا في المستقبل ممّا كانه حتّى اليوم، إن تسنّى لإسرائيل وأميركا مِن ورائها أن تنتصر. مَن يحبّ الحرّية حقّا، ويحبّ أن يحيا بكرامة على أرضه، ويحبّ أرضه، ينبغي له أن يتمسّك بنظرة كاملة إلى المنطقة، فيستقبل في قلبه الفرح والقلق في آن معًا. مأساتنا في المنطقة أنّنا لم نتمكّن بعد من جمع مقاومة الاستعمار مع الحرّية والعدالة، لأسباب متعدّدة أكبرها استمرار سياسات الاستعمار الأميركيّ والأوروبيّ، والبطش الداخليّ المدعوم أميركيّا حين يكون النظام لصالح المصالح الأميركيّة. إلى أن يحين موعدنا مع التحرّر الكامل من المذبحة التي ينفّذها فينا الاستعمار منذ ١٩٤٨، ومن البطش وانعدام العدالة الداخليَّيْن، اللذَين تشترك بأسبابهما الحكّام مع مشغّليهم الخارجيّين، فليفرح السوريّون وكلّ جزء من شعبنا أينما كان بسقوط ديكتاتور، ولكن فليقلق أيضا على الحرّية التي تنشّقها، وعلى أرضه التي يحبّها، وعلى كرامته التي وجدَت الريح، لئلّا تكون هذه الخبرة الجميلة نسمةً سريعةً بين قمعين، أو بين قاع وقاع أعمق وأوسع. علّ هذا القلق يكون دافعا لعمل واعٍ للمخاطر المحدقة. لا شكّ أنّ الإنسان يفرح بنسمة حرّية، حتّى ولو كانت بين قمعين، فهي دائما جميلة على القلب وأفضل من الحياة والموت دونها؛ ولكن قنابل أميركا التي تنفجر حولنا، والتي تنهش بلحم أطفالنا في غزّة ولبنان، بدعم الديكتاتوريّين العرب والديموقراطيّين الأميركيّين والأوروبيّين، تجعلنا نخشى أن يُهرق الدم، وأن تُستباح الأرض، بشكل أوسع من السابق في سوريّا، ولبنان، وفلسطين... Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
November 2025
Categories |
RSS Feed