|
خريستو المر، الثلاثاء 24 كانون الأول 2024
«تُعظّم نَفْسي الربّ، وتبتَهج روحي بالله مُخلّصي»، كذلك قالت مريم بحسب الأناجيل، وتابعت: «صنعَ قوّة بساعده، شَتّت الْمُسْتَكْبرين... أنزَلَ الأَعزَّاءَ عن الكراسي، وَرَفَعَ المُتّضعين، أَشْبَعَ الجياعَ خيراتٍ، وَصَرَفَ الأغنياء فارغين»، وكأنّها بذلك تعلن برنامج عمل هذا العظيم الذي ولد في مغارة. يفرح الإنسان بالمواسم والاجتماعيّات المحيطة بها، هذا أمر يلتقي به مَن آمن بإله ومَن لم يؤمن. ولكنّ الذين آمنوا ولهم كتبهم فلا احتفال حقيقيّاً لهم بما جاء في الكتب إلّا بالتزام ما جاء فيها من نَفَسٍ وروح. ما قالته مريم كتفكّر في الخبر المفرح (المعنى الأصلي لكلمة إنجيل) يشكّل رؤية لمن أراد أن يحيا مُحِبّاً لهذا الذي هزّ العالم بين الشهيق الأوّل الذي أطلقه في مغارة، والزفير الأخير الذي أطلقه على الصليب. انطلاقاً من تهليل مريم يمكن لمَن يؤمن بولادة المسيح أن يذهب بالبهجة إلى نهاياتها بالالتزام ببرنامج عمل مماثل لما جاء على لسانها: العمل على هزيمة الظلم وتثبيت العدالة. عندها يتحقّق احتفال حقيقيّ ملموس بيسوع، إذ يتسرّب ضوء العدالة إلى لحم العالم فيبتهج المهمّشون والمظلومون بالعدالة والحقّ حين يلامسانهم في الحياة اليوميّة. وميلاد يسوع لدى مَن أحبّوه هو متابعةٌ لمغامرةِ مشروع الحبّ الذي خاضه الله بعمليّة خلقِ الكون. الميلاد هو الخطوة الأولى على دربٍ توصل إلى الجلجلةِ حيث عاش المسيح بلحمه ودمه موتنا، واختبر المأساة الإنسانيّة من داخلها، وأعطى لمن يمشي اليوم معه، وعلى خطاه، الروحَ القدس الذي ينتصر به الإنسان على الموت. لهذا مَن احتفل بالميلاد مشى في خطّ مواجهة الموت، كلّ أنواع الموت، في الحياة اليوميّة؛ ذاك الموت الذي يزرعه الظلم، والاستعمار، والبطش، والاستغلال، والذكوريّة، والعنصريّة، والرأسماليّة، وكلّ بُنية صنعها الإنسان ليعبد فيها ذاته، سواء أكانت ذاتاً فرديّة أم جماعيّة. لا شيء يجعل الإنسان يمشي هكذا مسيرة بشكل صافٍ سوى الحبّ. والحبّ ليس شعوراً لطيفاً، وإنّما هو موقف علاقة فاعلة، بالآخرين وبالحياة، موقف ينشأ من شعور بضرورة العناية بالآخرين، وينبع عنه مسؤوليّة عن الآخرين مضبوطة باحترامهم، وبالعمل الفاعل لمزيد من المعرفة لكي يخدمهم بما هو مناسب للحياة وليس للموت. لهذا كان الحبّ بالضرورة مبنيّاً على الحرّية التي تفرض احترام الآخر. شرط الحبّ هو الحرّية. في العلاقة الفرديّة هذا بديهيّ، إذ لا حبّ دون القدرة على رفضه، وحدها القدرة على قول «لا» تعطي لـ«نعم» معنى. أمّا على الصعيد الجماعيّ، فشرط الحرّية يعني احترام التنوّع بحيث لا تمحو الوحدة (مهما كان شكلها: وطنية أو قومية أو إنسانيّة عابرة) التنوّع الإنسانيّ، فيكون التنوّع مدعاةً للتعارف وليس للظلم أو العدوان. حاليّاً لم نبتكر كبشر شيئاً يسمح باحترام التنوّع، ويمنع الإلغاء والاقتتال الداخليّ، أفضل من الديمقراطيّة على تشوّهات تطبيقها (السيطرة على العقول وتشويه الحقائق بواسطة الإعلام-المال). يبقى تحدّي الحبّ الأكبر: دعوة الناصريّ لأتباعه بأن يحملوا المحبّة حتّى للأعداء. وهذه الدعوة لا تشكّل تضارباً مع رغبة الإنسان برفع الظلم، فهي تنسجم مع كون الحبّ ارتباطاً فاعلاً بالآخرين وبالحياة. فالأعداء، هم الذين ظلموا ولم يتراجعوا، وموقف الحبّ هو موقف الذين يريدون أن يعتنوا بالآخرين ولهذا يقفون موقفاً مسؤولاً عنهم، هم يقفون موقفاً مسؤولاً عن المظلومين أساساً، ولكن أيضاً عن الظالمين؛ ومن منظار الحبّ، تعني هذه المسؤوليّة العملَ على وقف الظلم، لأنّه اعتداء على الإنسان والحياة في المظلومين أولاً. ولكن منظار الحبّ يرى أيضاً بالظلم اعتداء على الإنسان في الظالمين الذين حين يظلمون لا يعيثون موتاً وفساداً في الأرض فقط، وإنّما أيضاً يخنقون إنسانيّتهم بأيديهم. الموقف المقاوم للظلم حتّى النهاية، هو عندها الموقف الذي ينسجم مع وصيّة المسيح بمحبّة المظلومين والأعداء، تلك المحبّة التي عاشها الذي ولد في مغارة، والتي كلّفته حياته حين استشهد لأنّه عاش وقال الحق في وجه الطغيان. مائدة الحبّ التي نسمّيها الملكوت لا بدّ أن تحتضن أولئك الذين قاوموا الظلم، قاوموه لأنّهم أحبّوا فلم يكن لديهم خيار إلّا أن يدفعوا الظلم، محبّةً بالمظلومين أساساً، وبطريقة ما بالظالمين أيضاً. أولئك الذين يقاومون حين تنهش الذئاب لحم الناس وتبثّ الدعاية حول لا جدوى المقاومة، هم بلا شكّ مجانين. ولكن ألم يكن يسوع مجنوناً؟ كمال الجنون كان على الصليب، أمّا بِدْؤه فكان في الميلاد، في المغارة، في ذاك الهامش الهشّ الذي صار المركز حين تبيّن أنّه يحتضن ذاك الذي شعّ به نور القيامة في العالم، في ذاك الهامش الهشّ الذي صار مركزاً ورمزاً لمقاومة كلّ إمبراطوريّة، في ذاك الهامش الهشّ الذي صار رمزاً للمقاومة التي تحمل النصر الأخير في منتهى الهشاشة التي تكون عليها في لحظة من زمن. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
November 2025
Categories |
RSS Feed