|
خريستو المر، الثلاثاء 3 أيلول 2024
إنّ الحروب في منطقتنا، خاصّة في فلسطين، هي حروب استعماريّة تشنها الولايات المتّحدة، بالواسطة أو مباشرة، لمتابعة نهب موارد المنطقة (أي تجميع الثروة). وجود الكيان الصهيونيّ وحروبه، كمشروع استعماريّ قائم على تهجير السكان الأصليين وطردهم واحتلال الأرض، لا يشذّ عن هذا الهدف، لذلك لا يمكن تحقيق الحرّية والكرامة الإنسانية للجميع في فلسطين إلّا بخلوّها من الاستعمار ونتائجه (القمع، والإبادة، والتهجير، والنهب، والفصل العنصريّ)، وذلك عبر هزيمة المشروع الاستعماريّ الصهيونيّ القائم على أيديولوجيّة عنصريّة تشكّل أرضيّته.يمكن هزيمة المشروع الصهيونيّ عبر طريقين، الأوّل خاصّ بأهل المنطقة -الفلسطينيّون في المقدّمة- ألا وهو انخراط شعب هذه الأرض في النضال المسلح وهو أمر لا مفرّ منه ومشروع في القانون الدولي. والثاني خاصّ بكلّ إنسان شريف خارج أرض المنطقة وداخلها، ألا وهو الانخراط في حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) على الكيان الصهيونيّ. إنّ القوى الاستعمارية لا تهتم بحياة الناس أو بحقوق الإنسان أو بأي قانون دولي، لا الناس في منطقتنا ولا الناس في دولها؛ فتركيزها ينحصر في زيادة أرباح شركاتها. «ربح الشركات أهم من حياة الإنسان» هي البرنامج السياسيّ الحقيقيّ للاستعمار. وإن كان الربح هو لبضع شركات، فالثمن يدفعه الجميع. لا شكّ أنّ الثمن الأفدح والأكبر والأوسع تدفعه شعوب في المنطقة وعلى رأسها الشعب الفلسطينيّ. إذ تؤدّي معظم الحكومات فروض الطاعة صاغرة أمام الاستعمار لكي يستفيد ملوكها وأمراؤها ورؤساؤها وبعض من شركاتها من الفتات الذي سيتركه لهم الاستعمار من عمليّة النهب. هكذا تستفيد القلّة الذليلة بينما يُنحر الشعب الفلسطينيّ في إبادة وحشيّة لا تهدأ، وترتع معظم شعوب العالم العربيّ في فقر وأمّية. ولكن لو نظرنا من زاوية أخلاقيّة شاملة إلى المستعمرين الأوروبيّين الذين يحتلّون فلسطين منذ عام 1948، لرأينا أيضاً أنّ المشروع الاستعماريّ نفسه يحوّل أطفالهم، المولودين ككلّ الأولاد مفطورين على التعاطف والمساواة بين البشر، إلى رجال ونساء بلطجيّة سفّاحين لا يرحمون (وصْفُهم بالجنود هو تمويه لفظيّ)، ويجعل معظم المستعمِرين يهلّلون للإبادة ويدعمونها ويدفعون فواتيرها. كما أنّ النظام الاستعماريّ الأميركيّ، وهو الداعم للاستعمار الأوروبيّ الصهيونيّ، يجبر سكّانه على دفع فواتير الاستعمار في فلسطين وخارجها؛ إذ يتعيّن، مثلاً، على الشعب الأميركيّ (لا الشركات المستفيدة من بيع السلاح وخدمة الجيش) دفع 8 تريليونات دولار لتغطية تكاليف الحروب الأميركية منذ عام 2001 حتى عام 2022 كما يوضح معهد واتسون في جامعة براون. إنّ نظام الاستعمار في فلسطين مدمّر، هو مدمّر أساساً لحياة الشعب المضطَهَد الذي يُباد، وهذا ما يضعه المناضلون نصب أعينهم، ولكنّه أيضاً مدمّر لإنسانيّة الذين يحاربونه ويضطهدونه، إذ هو مصنعُ تشويهٍ للإنسانيّة يزجّ بالأطفال داخل أطر تربويّة وإعلاميّة وعسكريّة تحوّلهم إلى بالغين حاملين لاستعلاء استعماريّ ينزع عن الآخرين إنسانيّتهم، وتجعلهم أدوات إبادة وقتل وتشفٍّ، أدوات للإبادة الجماعيّة التي يحتاجها النظام ليستمرّ. إنّ القتلة الإباديّين ومؤيديهم القساة العديمي الرحمة، الذين لاحظناهم أثناء الإبادة الجماعية المستمرّة، يشهدون على مثل هذا التغيير الذي يُحدثه النظام بالإنسان المولود بالفطرة على الخير. إنّ إجرام هؤلاء وقسوة مؤيّديهم هما نتيجة لنظام المشروع الاستعماريّ الاستعلائيّ الذي يضع الربح فوق الناس، وللأيديولوجيّة الصهيونيّة العنصريّة التي تغذّيه. في التحليل الأخير، إنّ هزيمة النظام الاستعماريّ الصهيوني وتفكيكه في فلسطين المحتلّة ضرورة أخلاقيّة من أجل تحرير الشعب الفلسطيني الذي يُباد ويُطرد من أرضه، وهذا هو السبب الأساسي والوحيد الذي يشعر به ويفكّر فيه كلّ إنسان واقع تحت الاحتلال أو يسانده. هذا لا يمنع أنّه من منظور أخلاقيّ أشمل يمكننا أن نرى أنّ النضال من أجل فلسطين حرّة من البحر إلى النهر بتفكيك ودكّ مصنع الكراهية والتفوق الذي يشكّله نظام الاستعمار الإحلاليّ الإقصائيّ والفصل العنصري الذي يُدعى «إسرائيل»، سيفتح الباب أيضاً ليتحرّر المستعمِرون في فلسطين المحتلّة من نظام يشوّه إنسانيّتهم. إنّ تحرّر الفلسطينيّين على كامل التراب الفلسطينيّ بدكّ النظام الاستعماري الصهيوني المولّد للعداوة هو الترجمة الفعليّة والواضحة والملموسة في فلسطين لكلمة يسوع «أحبّوا أعداءكم». أبعد من ذلك، فإنّ معركة هزيمة الاستعمار في فلسطين هي معركة ضروريّة على طريق هزيمة الاستعمار حول العالم لتحرير هذه الأرض من نظام يسعى إلى تجميع الثروة عبر نهب الناس والبيئة وتدميرهما. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
November 2025
Categories |
RSS Feed