|
خريستو المر، الخميس 5 كانون الأول 2024
لا شك أن تضحيات المقاومة وإنجازاتها الأسطوريّة في صدّ العدوان الإسرائيلي تُمثل نصراً هائلاً على صعيد القدرة على ردع العدو، وكسر شوكته. لكن هذا لا يُبرر التغاضي عن الحقائق الأخرى التي تُخيّم على البلاد. فنغمات الحوار الوطني التي بدأت في الإعلام تشكّل عودة لتاريخ طويل من الكلام الذي لا فائدة تُرتجى منه، فهو «حوار» مع فريق يسعى جاهداً لتستتبّ التبعيّة للاستعمار. كما أنّ الإعلان عن جلسة انتخاب رئيسٍ يُخشى أن يكون تابعاً مباشرة للسفارة الأميركيّة يُثير القلق. والبلاد ما تزال في ضائقة اقتصاديّة ليس أسبابها الضغوط الأميركيّة وإنّما طريقة الحكم التي لا تعرف سوى توزيع المغانم على الأتباع دون أيّ اعتبار لمستقبل البلاد الاقتصاديّ والاجتماعيّ، وهما الأساس لتمكين البيئة الوطنيّة من احتمال صراع طويل الأمد مع عدوّ لن يتوانى عن محاولته غزونا مجدّداً في المستقبل. لكنّ وسط الدفاع الأسطوريّ للمقاومة عن البلاد، لا يشكّل فك الارتباط مع غزة انتصاراً بل نكسة، مهما حاول البعض تبرير هذه المواقف. وهذا أمر لا بدّ من الاعتراف به، ومواجهته، والتفكير في كيفيّة دعم الفلسطينيّين وسط الحرب الإباديّة الحاليّة وتخاذل أكثريّة الحكومات العربيّة. كما لا بدّ من التفكير في كيفيّة جعل المقاومة مستدامة، فطريقة الحكم في لبنان تُضعِف القدرات الدفاعيّة للبلاد وهو ما يفرض على مَن يريد أن يدافع عن أرضه أن يأتيه الدعم من حلفاء كإيران؛ ولكن هذا الواقع يعني أيضاً - شئنا أم أبينا - أنّ مستقبل مقاومة العدوّ مرهون بمستقبل إيران، أي إنّ من مخاطره أنّه قد يكون غير مستدام، فمسار التاريخ متعرّج. هذا أمر لا بدّ من أخذه بالاعتبار عند كلّ ذي عقل، وحلّه لا يمكن أن يكون إلّا بوجود طريقة حكم قادر وعلى ضفّة الحقّ من التاريخ، أي ضفّة التحرّر. وجود المقاومة واستمرارها ودعمها هي ضرورة حياة لدى كلّ ذي عقل يريد أن تكون أرضنا، منطقتنا، خارج براثن الاستغلال الاستعماريّ الأميركيّ-الصهيونيّ، أي يريد أن يعيش أولاد هذه الأرض في كرامة وحرّية (والحرّية لها ما ينغّصها داخليّاً). ولهذا، من الضروريّ أمام الأوضاع الحاليّة تقييم الواقع لإيضاح مَواطن الضعف ومَواطن القوّة، والتخطيط لواقع مستقبليّ أكثر منعة، وذلك بالتركيز على ضرورة خروج البلاد من سياسات اقتصاديّة رعناء، وتجاذبات طائفيّة لا يمكن إلّا أن تضعفنا كمنطقة وليس فقط كبلد فيها. هكذا تقييم لا يستقيم دون ضلوع فريق المقاومة المسلّحة فيها، فهو الذي يحمي الناس في ظلّ الضعف العسكريّ الهائل والمعروف لجيش البلاد، ولكنّه أيضاً لا يستقيم دون أن يراجع فريق المقاومة رفضه المطلق لأيّ تغيير في السياسات الاقتصاديّة وغيرها لنزع أسباب التوتّرات الطائفيّة (نظام اقتصاديّ منتج، مثلاً). المقاومة لا تنفي، بل تستدعي، الاهتمام الصالح بأبعاد أخرى لحياة الناس غير الدفاع العسكريّ! دون مراجعة نخشى أن يأتي يوم يقضي فيه التعنّت السياسيّ على التضحيات العسكريّة من حيث لم يحسب الإنسان. الذين بيننا يحترمون شعبهم وأرضهم، لا ثقة لهم بالفريق المعادي للمقاومة بسبب هذا العداء بالذات، ولكن هذا هو ما يجعلهم يحمّلون المقاومة قدراً وازناً من مسؤوليّة الخروج من الأوضاع المهترئة للبلاد، فهي مسؤولة عنه طالما كانت في الحكم وتريد أن تكون. مَن حصر فِكره بالرقعة الجغرافيّة التي فصّلها له سايكس بيكو لن يفهم شيئاً ممّا نقول. ولكن، عندما تنطلق المقاومة من هذا الواقع الـمُفَتَّت لمنطقتنا لتحريرها من الاستعمار، فهي تبقى محتاجة أن تُبقي منعتها مُستدامة بشكل شامل: عسكريّاً واقتصاديّاً، واجتماعيّاً (هل يُعقل أن يُدفعَ الناس للهجرة، مثلاً، لكي يستمرّ النظام المهترئ هذا!). عسكريّاً، الدفاع عن بلد صغير كلبنان، يقتضي، في رأيي، استمرار وجود حركة مقاومة شعبيّة حتّى في ظلّ وجود جيش نظاميّ قويّ، ودليلنا على ذلك هو الفاعليّة العمليّة للمقاومة الشعبيّة التي أفضت إليها خبرتنا التاريخيّة اليوم. إنّ مسؤوليّتنا بتحرير منطقتنا، وقلبها فلسطين - كم يجب أن نتذكّر الاحتلال الصليبيّ في هذه الأيّام - يُلقي على العاملين من أجل التحرّر مسؤوليّة المراجعة والتصويب. النصر الكامل لا يتحقق دون تحقيق العدالة الاجتماعية، والمساواة، والكرامة الإنسانية للجميع، فما معنى التحرّر العسكريّ من ظلم خارجيّ إن لم يتلازم مع مسعى تحقيق عدالة داخليّة؟ وكلّ هذا يتطلّب مراجعة نقديّة لما هو قائم بهدف خلق أرضيّة نجاح مُستدام وأكمل في المستقبل. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
November 2025
Categories |
RSS Feed