خريستو المرّ 2026-04-13 - المفكّرة القانونيّة في ظلّ الهجمات الأخيرة للكيان الصهيونيّ على لبنان، يتجدّد النقاش الداخلي حول طبيعة الصراع وحدود الخيارات المتاحة للدولة اللبنانية في مواجهة الاعتداءات المتكرّرة. غير أنّ هذا النقاش غالباً ما يُختزل في مقاربة ظرفيّة تربط الأحداث الأخيرة بردود أفعال محدودة، متجاهلاً السياق الأوسع الذي يحكم العلاقات الدولية، ولا سيّما المبادئ الأساسية للقانون الدولي العام. وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، تُعدّ سيادة الدول وسلامة أراضيها من المبادئ الجوهرية التي لا يجوز انتهاكها. كما يكرّس القانون الدولي حقّ الدول في الدفاع في مواجهة أيّ اعتداء مسلّح. وفي الواقع اللبنانيّ، لا يمكن فهم ما يتعرّض له لبنان بمعزل عن نمطٍ متكرّر من الانتهاكات «الإسرائيليّة» التي تمسّ سيادته، والتي لا يمكن اختزالها في أحداث آنيّة أو ردود فعل محدودة، أو بشكل أعمّ بمعزل عما بلغه الكيان الإسرائيلي من انخراط في الإبادة الجماعيّة والجرائم ضدّ الإنسانيّة، وهي عوامل تدعو الدول عمومًا إلى نبذه وقطع العلاقات معه لا إلى التطبيع معه أو حتى الاعتراف به[1]. بمعنى أنّ التركيز على حادثة بعينها، بمعزل عن سياق الاعتداءات المستمرّة منذ مجزرة حولا عام 1948، يُفضي إلى قراءة مبتورة واقعيّاً. من هذا المنطلق، فإنّ الجدل حول «من بدأ» التصعيد العسكريّ يفقد كثيراً من قيمته التحليليّة في ضوء مبدأ حظر استخدام القوّة في العلاقات الدولية، الذي لا يُقاس فقط بالفعل الأوّل، بل بالسياق العام للتهديدات والانتهاكات المتكرّرة. فالقانون الدولي لا ينظر إلى الوقائع بمعزل عن تراكمها، بل يقيّمها ضمن إطار أوسع يأخذ بعين الاعتبار طبيعة النزاع واستمراريّته. والواقع أنّ إسرائيل تحتلّ جزءًا من الأراضي اللبنانيّة اليوم، كما أنّها ولمدّة 15 شهرًا، كانت تقصف لبنان بشكل شبه يوميّ من دون أن تتلقّى ردّا من لبنان، لا من الجيش ولا من المجموعات المقاوِمة للاحتلال، وهي تهدّد لبنان باستمرار بـ«إعادته إلى العصر الحجري»، واجتاحته عدّة مرّات وحاولت اجتياحه مرّات ومرّات ومنها هذه السنة. منطقيّا، وانسجاما مع القانون الدولي الذي يقوم على مبدأ استقلالية القرار السيادي، تتحمّل الدولة وحدها مسؤوليّة تحديد خياراتها بما ينسجم مع حماية شعبها وأراضيها، أي بما ينسجم مع مصلحتها الوطنيّة. غير أنّ الانقسام الداخلي في لبنان يعكس رؤيتين متباينتين لمفهوم المصلحة الوطنية. الرؤية الأولى تميل إلى القبول بالأمر الواقع، حتى ولو تضمّن ذلك انتهاكاً للسيادة أو خسارةً في الأراضي، انطلاقاً من افتراض أنّ ذلك قد يؤدّي إلى استقرار نسبيّ. غير أنّ هذه المقاربة تتعارض مع المبادئ الأساسية للقانون الدوليّ، التي لا تُجيز اكتساب الأراضي بالقوّة، ولا تُقرّ بشرعيّة الاحتلال الناتج عن الإكراه. كما أنّ تاريخ الحركة الصهيونيّة يبيّن بما لا يدع مجالًا للشكّ أنّ أيّ احتلال قامت به الحركة العنصريّة الاستعلائيّة الإباديّة ترافق مع تنكيل واحتلال أوسع وفقدان للأمن عدا التنكيل والسجن الاعتباطيّ، والفصل العنصريّ، والترحيل، والتوسّع. في المقابل، ترى الرؤية الثانية أنّ الدفاع عن الأرض هو حقّ وواجب، وأنّ استخدام الوسائل المتاحة في هذا الإطار يندرج ضمن الحقّ المشروع في الدفاع عن النفس. غير أنّ الدفاع بواسطة قوى المقاومة الشعبيّة الموجودة اليوم مؤطّر ضمن طائفة محدّدة. ومن هنا، يبرز موقفان. الأوّل يتمثّل في الطرح الداعي إلى نزع وسائل الدفاع في ظلّ غياب قدرة فعليّة للدولة على الاضطلاع بوظائفها الدفاعيّة، وهو طرح يتجاهل مبدأ أساسيًّا في القانون الدولي يتمثّل في حقّ الشعوب في الدفاع عن نفسها في مواجهة الاعتداء. أمّا الموقف الثاني، فيتمثّل في اعتبار أدوات الدفاع القائمة بديلاً كافياً عن الدولة، وهو ما يتعارض مع منطق بناء الدولة الحديثة التي تحتكر الاستخدام المشروع للقوّة ضمن إطار قانوني ومؤسّسي، خصوصا أنّ حصر المقاومة بطائفة يساهم، شئنا أم أبينا، في ترسيخ التفكّك الداخليّ، ما يصبّ في مصلحة الدولة الصهيونيّة التي تسعى لتفكيك المنطقة إلى مكوّنات دينيّة كي تُضعف المحيط من جهة، وتبرّر وجودها من جهة أخرى. ثمّة مفارقة قائمة على وهمين متقاطعين يحكمان المشهد الراهن:الوهم الأول يكمن في المطالبة بتجريد المقاومة من سلاحها في ظلّ انكشاف أمنيّ وغياب جيش وطنيّ يمتلك القدرة الردعية الكافية. إن هذا الطرح يسقط في فخ القفز فوق الواقع، متجاهلاً عجز الدولة الحالي عن بسط حمايتها، ومغيّباً الحقّ الطبيعي والأصيل — الفردي والجماعي — في الدفاع المشروع عن الأرض والوجود، وهو حق لا يسقط بالتقادم أو بالتفاوض. أمّا الوهم الثاني فيتمثل في الركون إلى القوة العسكرية للمقاومة كحلٍّ كافٍ بذاته، بمعزل عن ضرورة الإصلاح الهيكلي الشامل. إن استمرار النظام الطائفي، وهشاشة الدولة اقتصادياً وعسكرياً، هي الثغرات التي تنفذ منها المخاطر؛ فالتشرذم الطائفي يضعف الجبهة الداخلية ويجعل المقاومة والوطن في مهبّ التفكك، كما أن الانهيار المعيشي يسلب الشعب مقومات صموده الطويل، والضعف العسكري يحرم الجيش من القدرة على الدفاع. إن العبور إلى برّ الأمان ولو بحدوده النسبية في مواجهة مشروع استيطاني إبادي وتوسعي بطبيعته يمرّ حتماً عبر تفكيك هذين الوهمين معاً، والبدء الفوري ببناء الدولة القادرة. إنّ مصلحتنا الوطنيّة، بل الوجوديّة، تفرض صياغة مشروع وطني متكامل يرتكز على ركائز لا تنفصم تبدأ بالمواطنة الجامعة كمدخل وحيدٍ للتعافي من الانقسام الطائفي وتوحيد الإرادة الشعبيّة، مروراً بالمنعة الاقتصادية لتأمين الحاضنة الشعبية وتعزيز القدرة على المواجهة النفسية والمادية، وصولاً إلى التكامل العسكري الذي يدمج خبرات المقاومة الميدانية ضمن عقيدة جيش وطني مجهّز. هذا هو المسار العقلاني الوحيد القادر على صون وحدة الأرض والناس معاً وتأسيس استقرار حقيقي ينصف المواطنين والمواطنات، ويُعدّنا لمواجهة التهديدات المستقبليّة الحتمية، التي لن تنكسر إلا بهزيمة المشروع الصهيوني. [1] اقتباس من تغريدة للمحامي نزار صاغية المدير التنفيذي للمفكرة القانونية على منصة x Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
April 2026
Categories |

RSS Feed