موقع خريستو المرّ
  • كتب
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة

الديموقراطيّة وحدها لا تكفي

1/16/2024

 
خريستو المرّ – الثلاثاء ١٦ كانون الثاني/يناير ٢٠٢٤ 
​
الفرق بين الأنظمة الديموقراطيّة والأنظمة الديكتاتوريّة هو في درجة العنف التي تمارسها الدولة ضدّ الشعب، وهو فرق وازن بلا شكّ. في الأنظمة الديكتاتوريّة، العنف سافر ويقتل الأجساد ويخنق النفوس، وتسمح تلك الأنظمة للناس بحرّية ضيّقة جدّاً ضمن حياتها الشخصيّة كالطقوس الدينيّة، والحياة الخاصّة العائليّة الضيّقة وغير ذلك، وتمنع معها سلسلة طويلة من الحقوق، كحقّ الكرامة والحرمة الشخصيّة (منع التعذيب مثلاً)، والحقّ في العدالة، وحقوقه السياسيّة، إذ تمنع عن الناس كلّ تدخّل في الشأن العام لا يتوافق مع مصالح الحكّام وأصحاب المصالح الاقتصاديّة المهيمنة والداعمة للحكم. أمّا الأنظمة الديموقراطيّة فأذكى، إذ هي تسمح للناس بحرّيات أوسع وبطرق شتّى في التعبير عنها، إن كان ذلك في الحياة الشخصيّة، أو الحياة العامّة (التظاهر، الانتخاب على مستوى الدولة أو المقاطعات أو المدن والأحياء)، وتسمح للناس بأن يتشكّلوا في جمعيّات حول اهتمامات مشتركة تنتخب ممثّليها، وتكوين نقابات فاعلة، ولكنّها تسعى أيضاً للسيطرة على العقول، وحتّى على الأجساد، لكي يختار الناس خيارات محدّدة حمايةً لنظام الحكم وأصحاب المصالح الاقتصاديّة المهيمنة والداعمة للنظام. كلّما كانت المسؤوليّة في الدول الديموقراطيّة على مستوى أعلى داخل الدولة، قامت المجموعات المُنتخبة بالعمل على تنفيذ مصالح أولئك الماسكين بمفاصل المال والاقتصاد في دولهم، لا أولئك الذين يشكّلون الأكثريّة الشعبيّة. لا تُناقش ولا تصدر القوانين داخل تلك الدول بناءً على تفكير منطقيّ علميّ بارد يبتغي المصالح المشتركة للجماعة الوطنيّة أو الإنسان، وإنّما لحماية مصالح الفئة المتنفّذة أساساً، ونتيجة لضغط مجموعات مختلفة ومنظّمات لها وزن انتخابيّ يُحسب له حساب. ويقبل الممثّلون بسنّ قوانين تخدم مطالب تلك المجموعات من السكّان في مواضيع شتّى (الصحّة، السكن، حرّيات) إن لم تكن تلك تتعارض مع مصالح المتنفّذين، ولكن في حال التعارض فالخيار هو في خطّ المتنفّذين ومخالفة أكثريّة الناس (إلّا، ربّما، إذا كان خطر مخالفة الناس هو تهديد النظام العام).
الذهاب إلى الحرب ضدّ العراق كان يخالف رغبة ملايين المتظاهرين في عدّة دول، وتتابع الحكومة الأميركيّة اليوم دعم المذبحة في غزّة، رغم أنّ أكثريّة المنتخبين يريدون وقفاً دائماً لإطلاق النار. ولا يتوانى الحكّام في الدولة الديموقراطيّة عن سنّ القوانين الأكثر رجعيّة والأكثر ضرباً لحقّ التظاهر والتعبير إن كان ذلك يتعارض مع مصالح البنى الاقتصادية الكبرى في تلك الدول (دول متعدّدة تسعى لسنّ قوانين تمنع نقد دولة إسرائيل بحجّة معاداة الساميّة). ولا يتوانى النافذون عن الإيعاز للشرطة بمحاولة منع تظاهرة أو بالقسوة على المتظاهرين أو بدهم منزل تحت حجّة واهية (زميلتي تعرّضت لمداهمة منزلها فقط لأنّها دهنت باللون الأحمر زجاج متجر، مديرته التنفيذيّة تقدّم أموالاً لكلّ كنديّ يريد أن يذهب ويخدم مع جيش الاحتلال!). إنّ الإرادة الشعبيّة، مصدر السلطات في الفكر الديموقراطيّ، كانت دائماً مصدرَ قلقٍ للحكّام، حتّى إنّ ألكسندر هاملتون أحد المؤسّسين للديموقراطيّة الأميركيّة وصفها بـ«الوحش الكبير» الذي يجب السيطرة عليه وإخضاعه، كما يُخبر نوام تشومسكي. ولإخضاع «الوحش الكبير» الذي تمارسه الدولة الديموقراطيّة، هناك العنف المعنويّ والمادّي:
مادّياً، هناك عنف الدولة ضدّ الأقلّيات المُستَغَلَّة؛ أحكام قضائيّة تسجنهم بشكل غير متناسب (الأحكام ضدّ السود، والمواطنين الأصليين في شمال أميركا)، قمع تظاهر (قمع تظاهرات «احتلوا وول ستريت» مثلاً)، العنف الجسديّ والثقافيّ من خلال محاولات سحق الهويّات الخاصّة (انتزاع أطفال السكّان الأصليّين من أهاليهم ووضعهم في مدارس داخليّة لتغيير ثقافتهم ولغتهم، وتعرّضهم للتعذيب والقتل).
على صعيد القمع المعنويّ، هناك سنّ لقوانين تمنع الناس من حرّية التعبير السياسيّ مثل سنّ قوانين تمنع الدعوة إلى مقاطعة إسرائيل أو نقدها، وهناك برامج تلويث الدماغ والسيطرة على العقول الذي تمارسه وسائل الإعلام العامة والخاصة؛ فهدف وسائل الإعلام في الدول الديموقراطيّة هو بالطبع كسب المال، ولكنّ مشروعها الاجتماعيّ هو أن تقنع الناس بأنّ المصالح الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة للمتموّلين المتحكّمين بالمجتمع والدولة هي مصالح الشعب (من اللافت للنظر أن يقتنع أكثريّة الأميركيّين، ٥٣٪ منهم، بأنّ من «مصلحته» ألّا تقدّم الدولة طبابة مجانيّة للجميع والإبقاء على نظام تغطية صحّي قائم أساساً على التأمين الصحّي).
الحياة صراع فعليّ، ليس لأنّ الإنسان ذئب الإنسان، وإنّما لأنّ الجشع لا بدّ من أن يأكل روح البعض ويدفعهم إلى استغلال البعض الآخر. ومهما كان شكل النظام القائم، إن كان دينيّاً أو علمانيّاً، قمعيّاً أو ديموقراطيّاً، فإنّ مصالح الأقلّية النافذة ماليّاً (والمحميّة بالقوّة الناعمة والفجّة للسلطة السياسيّة) ستسعى إلى استغلال الأكثريّة. المطلوب فعلاً ليس فقط نظاماً ديموقراطيّاً، وإنّما نظام ديموقراطيّ يمنع الاستغلال ووسائله. هذا بعض من الأمور التي تعيد غزّة إيضاحها من خلال ردّات فعل الغزاة الديموقراطيّين أمام مقاومة السكّان الأصليّين لبلادنا.

Comments are closed.

    الكاتب

    خريستو المر
    المقالات المنشورة في «الأخبار»

    الأرشيف

    November 2025
    October 2025
    September 2025
    August 2025
    July 2025
    June 2025
    May 2025
    April 2025
    March 2025
    February 2025
    January 2025
    December 2024
    November 2024
    October 2024
    September 2024
    August 2024
    July 2024
    June 2024
    May 2024
    April 2024
    March 2024
    February 2024
    January 2024
    December 2023
    November 2023
    October 2023
    September 2023
    August 2023
    July 2023
    June 2023
    May 2023
    April 2023
    March 2023
    February 2023
    January 2023
    December 2022
    November 2022
    October 2022
    September 2022
    August 2022
    July 2022
    June 2022
    May 2022
    April 2022
    March 2022
    February 2022
    January 2022
    December 2021
    November 2021
    October 2021
    September 2021
    August 2021
    July 2021
    June 2021
    May 2021
    April 2021
    March 2021
    February 2021
    January 2021
    December 2020
    November 2020
    October 2020
    September 2020
    August 2020
    July 2020
    June 2020
    May 2020
    April 2020
    March 2020
    February 2020
    January 2020
    December 2019
    November 2019
    October 2019
    September 2019
    August 2019
    July 2019
    June 2019

    Categories

    All

    RSS Feed

 ليس من حبّ أعظم من هذا : أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه: يسوع المسيح
  • كتب
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة