|
خريستو المر، الثلاثاء 17 كانون الأول 2024
نعيش في منطقتنا بين الكوابيس: كابوس قمع السلطة الذي يخنقنا من المحيط إلى الخليج (مع حرّيات نسبيّة مهمّة هنا وهناك: لبنان مثلاً)، وكابوس الاستعمار الذي يستغلنا ويطحن لحمنا وبلادنا حرباً بعد حرب؛ ولقاء الكابوسين معاً في كابوس استغلال حياتنا ومستقبلنا. طالما شدّدنا على أمرين ضروريّين من أجل الوصول إلى التحرّر الكامل: الحرّية والكرامة البشريّة، والأخيرة تختصر الحقّ بالعمل في ظروف عادلة، وبالسكن، وبالطبابة، وبالتعليم، وبالخروج من الفقر، وغيرها، فجميعها ضرورة ليتمكّن الإنسان من العيش بكرامة. والحرّية هي في الحقيقة تاج الكرامة البشريّة، لا كرامة بشريّة كاملة من دون حرّية، ولكن أيضاً لا حرّية حقيقيّة كاملة من دون كرامة بشريّة مادّية ملموسة. عدا السلطات القمعيّة، طالما أعطى البعض الأولويّة للأخطار الخارجيّة -الاستعمار وقلعته الكيان الصهيونيّ- لتبرير القمع الداخليّ أو لغضّ النظر عنه، بينما تكلّم البعض الآخر (اليمين اللبنانيّ نموذجاً) عن الحرّية، من دون قناعة أحياناً، وضربوا بعرض الحائط حقيقة خطر الاستعمار، وأغفلوا عن الوقوف موقفاً استقلاليّاً منه ومعادياً له، وغضّوا الطرف عن المظالم الاقتصاديّة وضرورة العمل على وقف الاستغلال الداخليّ-الخارجيّ. يبدو هذا التوتّر بيّناً اليوم في سوريا. فالذين كانوا وما زالوا يريدون لسوريا كدولة أن تكون داعمة للحقّ الفلسطينيّ، لا يتفوّهون بكلمة عن القمع الذي كان سائداً ومعروفاً، ويخشون عن حقّ التغيير الآتي عن الطريق الأميركي-الإسرائيلي-التركي، وخصوصاً مع تصريحات قيادات المسلّحين بأنّهم سيقيمون علاقات طبيعية بين سوريا ودولة الاحتلال. وفي المقابل، يهتف المواطنون السوريّون بفرح للحرّية التي يتنشّقونها، والتي نرجو لها أن تستمرّ، بينما يبيد جيش الاحتلال البنية التحتية العسكريّة للبلاد ويحتلّ أرضاً سوريّة جديدة، من دون أيّ كلمة من القيادات المسلّحة التي تمتلك السلطة الفعليّة ومن دون كلمة من كثير من المثقّفين الفرحين بسقوط الطغيان. هكذا، يستمرّ عيشنا اليوم بين الكوابيس، وخصوصاً في لبنان وفلسطين وسوريا. فبينما يعيش الفلسطينيّون كابوس الإبادة منذ عام 1948 وتعاظمه منذ أكتوبر 2023، يُزاح عن صدر السوريّين كابوس القمع من دون أن يعرفوا أيّ نظام يلوح على يدي الكابوس الاستعماريّ الذي نخشى أن يتابع عمليّة تدمير البلاد وتقسيمها التي بدأتها، في الحرب السوريّة الماضية، وتابعتها بـ«قانون قيصر». والقلق من كابوس استعماريّ يلوح مشروعٌ، فإزاحة النظام القمعيّ القديم ليست المقصود الأخير في سوريا، بل المقصود تنظيم البلاد لخدمة المصالح الاستعماريّة في المنطقة، وهذا لا يكون بسوريا معادية للاحتلال، ومستقلّة، وواحدة. نتمنّى بالطبع أن يستطيع السوريّون هزيمة كلّ مشروع استعماريّ في بلادهم، لكنّنا لا نرى ذلك قريباً، أو سلميّاً. وأمّا نحن في لبنان، فنتابع عيشنا بين كابوسين، كابوس الاحتلال الذي بات يقصفنا ولا نقصفه، وكابوس النظام الاستغلاليّ القائم في البلاد طولاً وعرضاً والذي تحميه جميع الجهات، المقاوِمة والمطبِّعة. لا يمكن منع الناس من المطالبة ليس فقط بالمزيد من الحرّية النسبيّة في البلد، ولكن أساساً بنظام يحمي الكرامة البشريّة، أي يمنع الاستغلال الذي دمّر حياة الناس تدميراً. هل سيتمكّن ولو فريق واحد من الممسكين بالسلطة من تخيّل مسار اقتصاديّ-سياسيّ جديد في البلاد يوحّدها ويحصّن معيشة الناس في مواجهة أخطار الاحتلال والاقتصاد؟ لا يبدو ذلك حتّى الآن، فالممسكون بزمام السلطة أدمنوا الانتظار والتسويف، والخوف أنّ التاريخ لا ينتظر بلاداً فقد الممسكون بزمام سلطتها القدرة على ابتكار حلول لمشكلاتهم. هذه الكوابيس كلّها يختصرها غيابان، غياب الخبز وغياب الحرّية، ويتعاضد في هذان الغيابان الأنظمة الداخليّة والاستعمار الذي يدعم كلّ نظام قمعيّ واستغلاليّ طالما أذعن له ويهدّد بقلعته الاستعماريّة «إسرائيل» وجودنا، حرّيتنا وكرامتنا البشريّة. الحاجة في فلسطين هي إلى التحرّر من الاحتلال فهو باب كلّ شيء. الحاجة في سوريا، كما في لبنان، هي إلى إنشاء مشروع وطني معادٍ لإسرائيل لأنّ هكذا تفترض المصلحة، الوطنيّة أقلّه، الحاجة هي إلى ابتكار مسارات جديدة تلتزم فيها قوى سياسيّة واجتماعيّة قضيّة تحرير الإنسان، كلّ الإنسان؛ بجمع قضيّتي الخبز والحرّية (من الاستعمار ومن القمع الداخليّ). وإن كانت الحرّية أساسٌ فينبغي ألّا تُنسينا الخبز، وطالما بلادنا تحفل بالمؤمنين، ونحن مقبلون على فترة عيد ميلاد المسيح، فمن الضروريّ التذكير بأهمّية «الخبز» الروحيّة، فإذا كان الخبز شأناً مادّياً بالنسبة إلى مؤمن أصيل، فإنّ خبز الآخر بالنسبة إليه، هو شأن روحيّ، إيمانيّ. فالمؤمنون حقّاً، يتدخّلون بشؤون الأرض لأسباب تتعلّق بالأرض وبالسماء، فالأرض بُعدٌ من أبعاد السماء، لأنّ الإيمان، كالحبّ، يترافق مع مسؤوليّة الإنسان عن الآخر، عن الخليقة الملموسة. هل يساعدنا الإيمان بإنهاء كوابيسنا؟ لن يسهم، إلّا إن كان أصيلاً. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
November 2025
Categories |
RSS Feed