|
خريستو المرّ، الثلاثاء ١٠ أذار / مارس ٢٠٢٦
---------------------------------- سرّ الصوم ليس في الامتناع عن الطعام، وإنّما في الامتناع عن القسوة، وبالأحرى بالانطلاق في التعاطف والمحبّة. وضبط الجسد في الصوم ليس هو الهدف، وإنّما الهدف هو تهذيب القلب. الموضوع يتجاوز موضوع الامتناع عن الطعام، فكثير من الملحدين يصومون عن اللحم طوال حياتهم، أي أكثر بكثير من فترات الصوم لدى المسيحيّين والمسلمين. والموضوع الأساس ليس معرفة الله أيضا معرفة ذهنيّة، فالشيطان (الذي يعترف المؤمنون بالله بوجوده) يعرف الله أكثر منّا جميعا، وهو لا يأكل ولا يشرب، ورغم ذلك فهو ليس بأقلّ من... شيطان. الصوم، في أعمق معانيه، تمرينٌ على أن يفسح الإنسان مجالا أوسع في قلبه لله، والإثبات الوحيد على هذا الإفساح هو بأن يفسح مجالا أوسع لغيره في قلبه وعمله، أن يكون رحيما، واسع القلب كالله، وكلمة الرحيم تأتي من الرحم الذي يتّسع ليحمل الجنين. الصوم تمرين على أن يكون الإنسان على «صورة» الله بالمعنى المجازيّ للكلمة، بمعنى أن يكون رحيما كالله، مُحِبّا مثله. هذا يعطي الصوم معنى إيجابيّا وليس سلبيّا، معنى لا يقوم بالامتناع عن، بل بالسير نحو، بتغيير طريقة الحياة لتكون شبيهة بطريقة الحياة الإلهيّة: حياة رحمة ومحبّة. إنّ جوع الإنسان الحقيقي ليس جوع المعدة، بل جوع قلبه إلى حنان الآخرين، وجوع قلبه إلى أن يكون أكثر إنسانيّة، إلى أن يسكنه الله كي يكون رحيما. يقول الكتاب: «لا تغلق أحشاءك عن أخيك» (1 يوحنا 3: 17). وفي موضع آخر يأتي تحذير يعكس قسوة الواقع: «لا يعضّ بعضكم بعضًا ولا يأكل بعضكم بعضًا» (غلاطية 5: 15). هذا يعني أنّ الصوم، في معناه العميق، ليس مجرد امتناع عن لحم الحيوان، أو امتناع عن الطعام لفترة، وإنّما امتناع عن لحم الأخ والأخت: الامتناع عن ظلمه، عن استغلاله، عن تعنيفه، عن إقصائه، عن تركه لمصيره دون أحد، أي هو يكمن في العمل الفاعل لكي يكون القلب قلبا لحميّا لا قلبا حجرّيا، متعاطف مع الآخرين ولذلك فاعل من أجلهم. ما جدوى أن يترك الإنسان اللحم على مائدته إن كان يأكل كرامة أخيه في الحياة، أو يمتنع عن أن يستردّ إخوته في الإنسانيّة كرامتهم؟ كرامتي من كرامة كلّ مَن امتهنت كرامته، أو تعرّض لقسوةٍ تريد انتزاع كرامته منه. لا معنى للتقشّف والصوم إن كان القلب لا يزال مغلقًا. لكن هل أتعاطف وأعمل من أجل من يشبهني؟ لقد أعطى التقليد المسيحي «للغريب» مكانة خاصة. فالغريب في الكتاب ليس مجرد عابر سبيل؛ إنه كلّ آخر، خارج قبيلتي، عائلتي، طائفتي، ديني، وضعته الظروف في طريقي ليخاطب ضميري، كلّ غريب هو كلمة الله إليّ لكي أبقى بشرا ولا أصبح حجرا، لكي أصنع معه المحبّة فيصبح قريبي بالمحبّة التي وحدها تُنشئ عائلة حقّا. في الآخر «الغريب» يختبر الإنسان صدق إيمانه، لأن الله نفسه يظهر في صورة الغريب، ولذلك يقول الإنجيل: «كنت غريبًا فآويتموني» (متى 25: 35). وفي زمننا هذا، حيث حروب الاستعمار والاستكبار تحاصرنا، يصبح الصوم سؤالًا أخلاقيًا حادًّا: هل يفتح الإنسان بيته، أم يغلق قلبه؟ هل تفتح المدن والقرى مدارسها أم تغلقها؟ هل يكون الناس للناس أم يفقدون إنسانيّتهم؟ في هذه الهجمة الإسرائيلية، وفي هذا التهجير القسري الذي هو بمثابة عقاب جماعيّ لأكثر من ربع الشعب اللبناني، لا يكفي أن يتكلم الإنسان عن الإيمان. الإيمان يُمتحن هنا، في هذه اللحظة. أن يكون الإنسان مؤمنا في مثل هذه اللحظات يعني أن يعمل المستحيل ليجد للغريب مكانًا، فكيف إذا كان «الغريب» ليس غريبًا حقًا، وإنّما قريب، أوّلا في الإنسانيّة، ثمّ في الوطن والقرى والمدن التي تقاسمنا معه فيها الخبز واللغة والذاكرة؟ الصوم لا يستقيم بدون تبنٍّ لآلام الأخرين بحيث تكون آلامي أنا، دون ذلك لا معنى للصوم. الأمر نفسه ينطبق على المسلمين أيضا الذين يقيمون اليوم صوم رمضان. فالصوم في الإسلام أيضًا ليس مجرّد انقطاع عن الطعام بلا معنى. يرد في القرآن: «أرأيت الذي يكذب بالدين، فذلك الذي يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين، فويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراءون، ويمنعون الماعون.» (الماعون 1–3). ويرد أيضًا: «ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الاخر والملائكة والكتاب والنبيين، وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين» (البقرة 177). فالصوم في رمضان، كما في الصوم المسيحي، ليس مجرّد طقس وإنّما طريق نحو القلب المنفتح على الآخر في أوضاعه هو، أي طريق نحو العدالة. لا معنى للجوع إن لم يفتح باب القلب للآخر، ولا معنى للعبادة إن لم تمتد اليد إلى الموجوعين. الصوم يتمّ عندما ينتهي الطعام ويبدأ القلب. عندما يتعلّم الإنسان أن يرى وجه الله في وجه الجائع، وفي وجه اللاجئ، وفي وجه المهدَّد بيته، وفي وجه الطفل الذي فقد بيته وفي وجه الذي شرّدته يد الاستعمار والاستكبار والإهمال الداخليّ. عندها يصبح الصوم صلاةً حيّة. ليس السؤال الأخير إن كنّا صمنا عن الطعام، ولا إن صمنا عن القسوة (وبقينا سلبيّين فلم نفعل شيئا)، السؤال هو ماذا فعلنا؟ ماذا فعلنا اليوم بالآخر الذي تغرّب في وطنه كغريب؟ يقول الكتاب أنّ الله سأل قايين «أين أخيك هابيل.»، وأن ذاك أجابه «لا أعلم، ألعلّي حارس لأخي؟». كلّ مَن لم يعتبر نفسه حارسا للمهجّرين اليوم، كلّ من لم يمدّ لهم يد المساعدة يكون قد شريكا لقايين. إن لم يَصُم الإنسان عن أكل لحم أخيه الإنسان فيمتنع عن استغلاله، وإن لم يغيّر طريقة حياته ليرى المظلومين عيالا لله، ووجها مميّزا لأبيهم السماويّ، يبقى صومه مجرد جوعٍ طويل، ولا يتحوّل ليكون طريقا إلى السماء. أمّا الصوم الذي يفتح القلب على الآخر، فذاك صوم ثوريّ، هو صوم على حسب قلب الله، هو صوم يغيّر العالم لأنّه يهتمّ لمصير الناس، فيعمل. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
March 2026
Categories |
RSS Feed