|
خريستو المر، الثلاثاء 18 تشرين الثاني 2025
تقف وثيقة «كايروس فلسطين» الجديدة، الصادرة عن «المبادرة المسيحيّة الفلسطينيّة» الممثلّة لأهمّ لاهوتيّيها، كأحد أهمّ النصوص الأخلاقية واللاهوتية التي صدرت في زمن الإبادة المستمرّة ضد الشعب الفلسطينيّ. فهي شهادة نبويّة تُعيد تحديد موقع الإيمان والضمير أمام مشهد إنسانيّ منهار. تبدأ الوثيقة من تسمية الواقع بوضوح، فاللحظة «لحظة مصير، ولحظة حقيقة في آنٍ معاً». نحن، إذاً، أمام حقائق تدخل مجال السلوك الأخلاقي، لكن دون التخلّي عن الوضوح السياسيّ، فـ«ما يحصل اليوم هو الوجه الحقيقيّ للأيديولوجيّة الصهيونيّة... وما سُمّي بقانون القوميّة الإسرائيليّ الصادر سنة 2018 جسّدَ العنصريّة الصهيونيّة، و[إيديولوجيا] الفوقيّة الاستعلائيّة اليهوديّة، في فلسطين». وترى الوثيقة أنّ الصهيونيّة، كفكر عنصريّ، ليست حكراً على دين، فقد أظهرت الإبادة «الوجه الحقيقيّ للصهيونيّة يهوديّة كانت أم مسيحيّة»، وأشارت أيضاً إلى «إسلام صهيونيّ» تذكر الوثيقة ظهوره ضمن «اتّفاقيّات تطبيعيّة مع بعض الدول العربيّة» جاءت «من باب استغلال الدين لصالح أجندات سياسيّة واقتصاديّة» وجعلت «من الاحتلال والفصل العنصريّ في فلسطين أمراً طبيعيّاً مقبولاً». ثمّ تضع الوثيقة الأمور في نصابها، فـ«هجوم يوم السابع من أكتوبر له سياق. ونحن نعلم أنّ ذكر السياق لا يبرر قتل المدنيّين وأَسْرهم وكلّ انتهاك للقوانين والأعراف أو كلّ جرائم الحرب. لكن، في الوقت نفسه، لا يمكن قبول سرديّة الدفاع عن النفس، فكيف يُدافع المستعمِر عن نفسه ممّن استعمرهم وطردهم من أرضهم؟ والقانون الدولي، إن كان لهذا القانون أي قيمة بعد الآن، يُفنّد هذا الادعاء». هكذا، فإنّ أول ملامح الوثيقة جرأتها الفكرية في كشف البنية العميقة للعنف الاستعماريّ. فهي لا ترى أن ما يجري في غزة والضفة والقدس سلسلة أحداث معزولة، بل استمرار لمنهجية استعماريّة بدأت مع النكبة وما تزال تتوسّع بأشكال جديدة. هذا الربط بين التاريخ والراهن يعيد تعريف الإبادة بوصفها عملية تراكميّة لا لحظة طارئة. وتصف الوثيقة ما يحدث اليوم بأنّه نتيجة لبنية عنصريّة صهيونيّة ترسّخت عبر قوانين، ومستعمرات، وخطابات دينيّة وسياسيّة تسعى إلى اقتلاع الشعب الفلسطينيّ بالكامل؛ مذكّرة بالارتكابات وسياسات القتل والتهجير في القدس والضفة، ومشيرة إلى التمييز العنصريّ داخل دولة الاحتلال، كما إلى تدمير «الأونروا». وتشير الوثيقة أيضاً بوضوح إلى المصالح الدوليّة الاقتصاديّة المستفيدة من ارتكاب الإبادة للسيطرة على الغاز الطبيعي في المياه الإقليميّة الفلسطينيّة، وطريق حيويّة للتجارة الدوليّة، وخطوط إمدادات الطاقة. ولا تنسى الوثيقة الضرورة القصوى لوحدة البيت الداخليّ الفلسطينيّ، ناقدة تعمّق ممارسات إقصاء الآخر، وتعزّز «المحسوبيّات والفساد على أشكاله»، وانعدام تجديد القيادات والرؤى. وبجرأة، تذكر الوثيقة غياب ثقة الشعب بالقيادة الفلسطينيّة التي «نتيجة لاتفاقيّات أوسلو، وما تبعها من وقوع في فخّ خدمة المستعمِر، أصبحت تدير حياة الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال نيابة عن المحتّل الإسرائيليّ، وهي عاجزة عن حماية الفلسطيني من إرهاب الاستيطان والمنظومة الأمنيّة الإسرائيلية». كما تذكّر الوثيقة بأنّ الفلسطينيّين من كلّ الأديان هم «السكّان الأصليّون لهذه الأرض، وأنّ وجودنا اليوم مُهدّد بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ»، وأمّا المسيحيّون في فلسطين، فمهدّدون بالزوال. ورغم التركيز على فلسطين، فإنّ الوثيقة لا تنسى توصيف الكيان الاستعماريّ «كدولة عدوانيّة فوق كلّ القوانين والاتّفاقيّات»، تتابع اعتداءها على دول المنطقة «مدعومة من حلفائها». لحظة الحقيقةوفي ما دعته الوثيقة «لحظة الحقيقة» من وثيقتها رفضت بشكل مطلق القراءة الدينية التي تستخدم النصوص لتبرير الاحتلال أو لتجميل وجه الظلم. وأعلنت بوضوح أنّ «ما بُني على باطل وعلى ظلمٍ تاريخي لا يمكن أن يُثمر سلاماً» وأنّ «الحلول تبدأ بتفكيك الأنظمة الاستبداديّة الظالمة والعنصريّة». هنا تظهر قوة الورقة في إعادة الأمور إلى جوهرها: الدفاع عن الإنسان، ورفض تقديم طاعة للظلم، وتأكيد أن المسيحيّة الأصيلة لا يمكن أن تكون غطاءً لأي مشروع عنصري أو استعماريّ. كما تُعيد الوثيقة التذكير بأن الصمود الفلسطيني في الأرض ليس مجرد بقاء، بل فعل مقاومة. فالثبات على الأرض، وحماية المقدسات، وخدمة المجتمع، ومواجهة التهجير ليست ممارسات يوميّة فقط، بل جزء من المقاومة، فـ«الحفاظ على الإيمان والرجاء مقاومة. صلاتُنا مقاومة. الحفاظ على المقدّسات مقاومة. السلم الأهلي مقاومة». إنها مقاومة تتجاوز السلاح لتشمل التمسّك بالأرض، وبالذاكرة، والهويّة، ولكن بالوحدة أيضاً. ولا تهمل الوثيقة ذكر ركائز المجتمع الفلسطيني: المرأة الفلسطينيّة «عمود فقريّ لا ينحني، شريكة في النضال» حاضنة للأرض والذاكرة والمستقبل وشريكة في القيادة والقرار والإبداع؛ والشباب باعتبارهم طاقة التغيير وصوت المستقبل داعية إياهم إلى رفض السكون والاستسلام وإلى العمل المقاوِم ولو لاعنفيّاً؛ والفلسطينيّون في المهجر داعية إياهم إلى التفاعل الحيّ مع مجتمعاتهم لنقل الصوت الفلسطينيّ والحقيقة. وترى الوثيقة الفلسطينيّين المسيحيّين جزءاً أصيلاً من الشعب منسوجاً في تاريخ الأرض، وتؤكّد أن هذا الوجود ليس كأقلية بحاجة إلى حماية، بل كأساس من أسس الصمود الوطني والإنساني، وتخصّ بالذكر المسيحيّين في غزّة الذين سطّروا «بطولات في الصمود والشهادة». وأخيراً، وجّهت الوثيقة دعوة إلى مسيحيّي العالم للعودة إلى الجذور المسيحيّة: السير في خطى المسيح بالانحياز، كما انحاز هو «للمقهورين والمظلومين وكلّ ضحايا الظلم وأنواع الاستبداد من كلّ أمّة، بغض النظر عن العرق أو الدين أو القوميّة». وذكّرتهم أنّ الإبادة تراكميّة بدأت في أذهان المستعمرين الأوروبيّين الاستيطانيّين، «بها أنكروا صورة الله في الآخرين، وشرّعوا الموت والاستبداد والعبودية»، وأنّ «إسرائيل» هي امتداد لهذا الخطّ. ولهذا يمكن اعتبار الإبادة خطيئة مسجّلة في البُنى (سمّتها الوثيقة «خطيئة بنيويّة»). وواجهت بقولها إنّ مَن ينكر الإبادة الجماعيّة «يعتدي على إنسانيّة الفلسطينيّ وينكرها»، وإنّه يجب أن تحدث «مراجعة تامّة وتوبة، من قبل جميع المؤمنين بالله، ولا سيّما المسؤولين في كنائس العالم»، وبذلك قرّعت الوثيقة بشكل ملائم تردّد الكثير من الكنائس ومسؤوليها عن الوقوف مع الفلسطينيّين. ودعت الوثيقة إلى ما يشبه ثورة لاهوتيّة، إلى «حراك عالميّ لاهوتيّ» ينطلق من سياق المستعمَرين لا المستعمِرين، المظلومين لا الظالمين، إذ «لا بد لنا من أن نتحدى منطق شعارات السلام الواهية، أو الحياديّة، أو بعض الديبلوماسيّة الكنسيّة التي لا تقول الحق أمام القويّ» ولا بدّ من «التحرّر من لاهوت استعماريّ توارثناه من الغرب»؛ كما ينبغي «أن نرفض الظلم والقهر الذي تسبّب فيه لاهوت العنصريّة والاستعمار والتفوّق العرقيّ المتجسد في الصهيونية المسيحيّة». وتدين الوثيقة «كلّ من يستغلّ تهمة معاداة الساميّة من أجل إسكات صوت الحقّ الفلسطينيّ... وأي محاولة للربط بين معاداة السامية وبين مقاومة الفصل العنصري». المستقبلأما نظرة الوثيقة إلى المستقبل، فرؤية شجاعة تُعيد تعريف السلام بوصفه عملية تفكيك للظلم لا إدارة له؛ ولذلك ترفض أي حلول تلتفّ على الجذر البنيوي للمسألة، وتصرّ على أن العدالة شرط السلام، وأن تحرير الإنسان هو الأساس الذي تُبنى عليه المصالحة. وتدعو إلى تضامن عالمي مكلف، فعّال، لا يكتفي بالبيانات، بل يدفع الأنظمة نحو المحاسبة. ولا تنسى البعد السياسيّ المباشر فتدعو إلى «تشكيل تحالفات تحمي البشريّة من المزيد من الانحدار إلى واقع الظلم والاستبداد والاستقواء» و«إلى تطوير نظام عالمي إنساني عادل بديل، لأن النظام العالمي القائم قد أثبت فشله في أهم مسؤوليّاته وهي الدفاع عن الضعفاء وفي الحفاظ على السلم والأمن الدوليين». اليوماليوم هو «زمن التضامن المكلف» تقول الوثيقة، وهذا مفتاح يجب ألّا ينساه من يؤمنوا بإله أو بمبدأ. وبالفعل، لا قيمة لإيمان، ولا مصداقيّة، إلّا في زمن الشهادة لمبادئ هذا الإيمان: الوقوف في وجه الظالم مع المظلوم. عند الشهادة للحقّ هناك كلفة، هناك خسارة لا بدّ منها، وينبغي للمسيحيّين أن يتذكّروا دائماً أنّ مسيحهم قال «ماذا ينفع الإنسان أن يربح العالم كلّه ويخسر نفسه أو يفقدها؟». التهرّب من كلفة الشهادة للحقّ خيانة وخسارةٌ للإيمان بلا شكّ، ولكنّ المسيح في جملته هذه يذكّر بأنّ خيانة وخسارة الإنسان لإيمانه هي خيانة وخسارة الإنسان لنفسه، لأنّ كلّ إنسان يرى إيمانه جزءاً جذريّاً من نفسه. بالفعل نحن «نعيش معاً أو نهلك معاً»، كما تقول الوثيقة، مَن يخن إيمانه وذاته، مَن يترك المظلوم يُظلم ويُباد يَقتل نفسه معنويّاً؛ ومَن يعمل ليحيا المظلوم في العدل ينقذ المظلوم وينقذ ذاته أيضاً، فكما تقول الآية القرآنيّة: «من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنّما أحيا الناس جميعاً»، الناس جميعاً ومنهم نفسه. في جوهرها، تذكّر الوثيقة أنّ الإيمان فعل مقاوم، والرجاء قوّة تُغيّر الواقع، والكرامة حقّ غير قابل للتفاوض؛ وفي زمن بلغت فيه الوحشية ذروتها، تأتي وثيقة «وقفة حقّ-كايروس» من كنائس فلسطين لتقول إنّ صوت الحقّ لم يمت، وإنّ التحرّر، مهما طال ليل الاستعمار، سيبقى ممكناً، وهو ممكن اليوم، كلّ يوم، حين نعمل له. الوثيقة موجودة على الموقع التالي: kairospalestine.ps Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
November 2025
Categories |
RSS Feed