|
خريستو المرّ، الثلاثاء ١٣ كانون ثاني / يناير ٢٠٢٦
ليس معيارُ المسيحيّة ما تقوله الشفاه، بل الاتّجاه الذي يسلكه الإنسان في التاريخ. فالمسيح لم يقدّم نفسه امتيازاً يعلو بالمنتمي إليه على غيره، بل قدّم طريقاً ينزل به إلى خدمة غيره. لذلك حين يرفع البعض المسيحيّة كشعار تفوّقٍ (وهميّ)، أو كهوية للتعالي على الآخرين، يكون ذلك إنكاراً عمليّاً للتجسّد، ولكأنّ المسيح لم يحبّ العالم أجمع، وكأنّه لم يبذل نفسه من أجل كرامة البشر جميعاً، وكأنّه جاء ليؤسّس جماعة مغلقة لا ليعيد الإنسان إلى إنسانيّته. حين انحنى المسيح وغسل أقدام تلاميذه، لم يقدّم درساً في التواضع الفرديّ، بل ليقلب منطق الهرم: الأعلى هو الذي يخدم، والأقرب إليه هو الذي يحمل أثقال الآخرين. ليس فقط أنّ الإنسان يجب ألّا يتعالى فقط، في نوع من الأخلاق السلبيّة، بل أن يخدم الحياة في الآخرين كما كان المسيح خادماً. المفارقة أنّ الاستعلاء كثيراً ما يتزيّن بمفردات محبّة وكلامٍ جميل عن طقوس وأناشيد، فيما السلوك اليوميّ يسير عكس المحبّة. لكنّ المحبّة في المسيح ليست عاطفةً تريح الضمير ولا ديكوراً يلمّع الصورة؛ إنّها قوّة تُزعِج الظلم وتفضح التناقض وتتحمّل كلفة الموقف. محبّةٌ لا تقترب من وجع الناس، ولا تدخل في صراع العدالة والكرامة، تتحوّل بسهولة إلى قشرةٍ ناعمة تخفي الانغلاق، أو الاستعلاء، أو القسوة، أو العنف المعنويّ. حين ينفصل الإيمان عن الممارسة، عن ممارسة العدالة، يصبح المنتمي إلى المسيحيّة قادراً على الجمع بين خطابٍ روحيّ جميل وبين مواقف تُهين الآخر، أو تُقصيه، أو تُحمّله وزر أوضاعه من فقر أو اضطهاد، أو تُبرّر سحقه؛ كلّ ذلك وهو يظنّ ذاته أميناً للمسيح لأنّ لسانه لم يتوقّف عن ترداد اسمه. يظهر الانفصام أيضاً حين يقف بعضهم منبطحين أمام المستعمِر، أو أمام أيّ قوةٍ غالبة، ظانّين أنّ القرب من «حضرة» القوّة يرفعهم، وأنّ التشبّه بالغالب يهبهم حصانةً أو وجاهةً أو معنىً. لكنّ الافتتان بالقوّة ليس تفصيلاً سياسيّاً محايداً، بل انحيازٌ روحيّ يُبدّل الإله في القلب. القوّة مغرية لأنها تعد بالأمان وبالمكانة وبالنجاة الفرديّة. بيد أنّ المسيح لم يأتِ ليُغري الناس بالأمان الناتج عن التحالف مع المهيمنين، بل ليحرّرهم من عبودية الخوف. مَن يطلب خلاصه من قرب المستعمِر أو القاهر، يستبدل المسيح بإلهٍ آخر اسمه القهر، حتى لو ظلّ يعلّق الصليب على صدره، أو يُتقن لغة التقوى. إنّ التشبّه بالمسيح لا يكون بالتشبّه بالغالب، بل بالخادم؛ ولا يكون بالانضمام إلى منطق القهر، بل بالانحياز إلى منطق «غسل الأقدام»، أي إلى منطق العلاقة التي تضع كرامة الآخر فوق نشوة الامتياز. أحياناً يلتقي هذا الافتتان بالقوّة مع افتتانٍ آخر لا يقلّ وثنيّة، هو افتتان المال. فبعض المسيحيّين، أفراداً أو مؤسسات أو أحزاباً، يقفون عمليّاً إلى جانب مشاريع رأسماليّة استغلاليّة تُكدّس الثروات في أيدي القلّة وتُفقِر الشعب، ثم يُلبسون هذا الانحياز لباس «الحكمة» أو «الكفاءة» أو «القانون» (أيّ أخلاق هي تلك التي يستبطنها قانون يقول إنّ الإنسان الذي يُنتج الثروة لا حقّ له سوى براتب شهريّ، غير أخلاق الاستغلال؟). المسألة هنا ليست تقنيةً اقتصادية فقط، بل خيارٌ أخلاقي وروحي، كلّ خيار اقتصاديّ هو خيار أخلاقي أساساً: إنّ نظاماً يحوّل الإنسان إلى سلعة، ويجعل الخبز امتيازاً لا حقّاً، ويقايض كرامة العامل بهامش الربح، ويعتبر الفقر نتيجة «فشل شخصيّ» لا نتيجة بنى ظالمة، هو نظامٌ يعيد إنتاج الاستعلاء بلغةٍ جديدة: استعلاء الثري على الفقير، و«الناجح» على «الفاشل»، أي المستفيد من البُنى الظالمة على المحروم والمهمّش. لهذا، فإنّ الوقوف إلى جانب الاستغلال الاقتصادي جزءٌ من الخيانة الروحيّة نفسها التي يمثّلها الاستعلاء على الآخرين والانبطاح للمستعمِر: عبادةٌ عمليّة ومموّهة لإلهِ الذات، مرةً باسم القوّة ومرةً باسم الربح. في منطق الإنجيل، لا يمكن فصل المحبّة عن العدالة، ولا يمكن فصل الصلاة عن الخبز. «لا تقدرون أن تعبدوا ربّين: الله والمال» ليست جملةً أخلاقيّة عامّة، بل كشفٌ لحقيقة داخليّة، ولعبادة عمليّة: إمّا أن يكون المال وسيلة في خدمة الإنسان، وإمّا أن يصير الإنسان وسيلة في خدمة المال، إمّا أن يكون الله المعبود وإمّا الذات. حين تُصاغ السياسات والخيارات العامّة لتأمين تراكم الثروة عند قِلّةٍ، وحرمان الأكثرية من ثمار الأرض، والعمل، والخيرات العامّة، فإنّ الدفاع عن هذا الواقع باسم شعار أكان الحرّية أو الواقعيّة، ليس حياداً، بل مشاركة في العنف. لذلك، فإنّ الحديث عن توزيع الثروات العامة على المجتمع ليس ترفاً إيديولوجيّاً، ولا تسييساً للدين، بل ترجمةٌ ضروريّة لمعنى المحبّة حين تُؤخذ على محمل الجدّ: أن يكون الخير العام حقّاً مشتركاً، وأن تُحمى كرامة الإنسان، وأن تُكسر دائرة الامتياز الوراثيّ والاحتكار، وأن تُدار الموارد بما يخدم الجماعة لا بما يقدّس أرباح القلّة. الإيمان الذي يبارك احتكار الخيرات ثم يطلب من الفقراء الصبر، إيمانٌ يستعمل الله لتبرير العالم كما هو، لا لتغييره نحو عدالةٍ أرحب. ذاك هو إيمان الذين يقولون الشيء ويفعلون عكسه، الذين يعدون بالربيع ولا يُزهرون، الذين يمتنعون عن المحبّة الفاعِلة لأجل الحياة. أولئك هم المزيّفون، جماعة لم تعرف المسيح بعد. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
March 2026
Categories |
RSS Feed