|
خريستو المرّ – الثلاثاء ٦ شباط / فبراير ٢٠٢٤
لا يفهم الإنسان شيئا مسيحيّا في أدبيّات التيّارات السياسيّة والاجتماعيّة التي تريد أن تلعب دورا في الحقل السياسيّ للبلاد. يطلب يسوع من أتباعه أن يكونوا «ملح الأرض»، والملح لا معنى له إن لم يذب في الطعام بحيث لا يعود منعزلا عنه وإنّما ممتزجا به دون ان يفقد طعمه الخاص، فتكون النتيجة طعامًا واحدًا مُفرِحًا ومُحيِيًا في آن. بينما نجد الخطاب السياسيّ لذاك الشيء الذي يُقال له «مسيحيّ» في الحقل العام، غارق في التزام مسار انعزاليّ فوقيّ يرى ذاته فوق الآخرين، ويطالب بحقوق جماعيّة للجماعة الدينيّة (لا يستفيد منها في الحقيقة سوى أقلّية منتفعين). يدعو يسوعُ أتباعَه إلى أن يسعوا إليه وليس إلى التسلّط والسيطرة، وإلى التمثّل به هو بخدمة الآخرين وليس التمثّل بالمسلّطين الذين يطلبون المزايا الاجتماعيّة ويتعالون على الآخرين فـ«ملوك الأمم يسودونهم، والمتسلطون عليهم يُدعون محسنين، وأما أنتم فليس هكذا، بل الكبير فيكم ليكن كالأصغر، والمتقدم كالخادم... أنا بينكم كالخادم». هذا بينما يعذر العاملون في الشأن العام باسم المسيحيّين (ومشجّعيهم) أنفسهم من الاتّجاه في منحى انقضاضيّ على السلطة وعلى ثروات البلاد، بالقول أنّ «ملوك» جميع الطوائف والمتسلّطين عليها يفعلون الأمر نفسه، فيقبلون بالتشبّه بالمتسلّطين عوض تشبّههم بيسوع. يدعو مسيح الناصرة إلى المشاركة والتعاضد بين الناس ويعلّم في مثل السامري الشفوق أنّ التعاضد والمشاركة، لا الدين، هما اللذان يخلقان القُربى والوحدة الإنسانيّة. بينما يسعى العاملون في الشأن العام باسم المسيحيّين ومشجّعيهم إلى الاستئثار بحصّة من الثروات، وتوزيع فتاتها على الأتباع لا على شكل حقوق وإنّما على شكل استتباع للقادة السياسيّين والدينيّين للطائفة؛ ويدعون إلى إدارة الظهر للمظلومين المطروحين على قارعة التاريخ تحت مسمّى الحياد. يُعلي المسيح من خلال حياته كلّها شأن الحرّية ويشدّد على حرّية الضمير تجاه الدولة بتمييزه بين ملكوت قيصر وملكوت الله. بينما يسعى العاملون في الشأن العام باسم المسيحيّين ومشجّعيهم إلى إخضاع ملكوت الله (الخطاب الدينيّ) إلى ملكوت قيصر (الدولة الطائفيّة التي تسحق حياة الناس)، عوض أن يسعوا لتغيير شكل الحكم ليكون أكثر عادلا واحترامًا للمساواة بين الناس في حقوقها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة، فيصبح ملكوت قيصر (الحكم) أقرب إلى ملكوت الله (ملكوت الحرّية والمشاركة). يعلّم يسوع أنّ الحبّ، أي الوحدة في التنوّع، هو المعنى الجامع للحياة البشريّة. بينما يسعى العاملون في الشأن العام باسم المسيحيّين ومشجّعيهم إلى سياسيات تؤجّج الحقد الطائفيّ وتودي بالوحدة وبالتنوّع، ويغضّون الطرف عن القمع إن كان يناسب مصالح قادتهم. يؤمن المسيحيّون أنّ العالم بحاجة للمسيح؛ لكنّ الاتّجاهات الفوقيّة المنعزلة عن عذابات الناس في محيطنا تضلّل الناس عن وجهه وتمنع عن اتّباع خُطاه وهذا تبعاته وخيمة، فملكوت الله هو ملكوت الذين يتبعون خُطى السيّد – عرفوا ذاك أم لم يعرفوه- أمّا مَن يضلّل الناس عن المسيح فقد حذّره يسوع أنّ ذلك يرقى للخيانة العُظمى حين قال لذاك الإنسان أنّه «خيرًا له أن يعلق في عنقه حجر الرحى ويُغرق في لجة البحر»، وكانت تلك عقوبة رومانيّة للخيانة العُظمى. العمل، المسيحيّ حقّا، في الحقل العام هو العمل الوطنيّ العابر للهويّات المغلقة، هو العمل العلمانيّ بالمعنى الشريف للكلمة، معنى احترام حرّية إيمان كلّ شخص بينما يعبّ الجميع من نهر عقائده فكرًا وقوّة، ويعملوا معًا لتكون الحياة للناس وتكون أوفر، في احترام للوحدة في التنوّع في بيئة الحرّية. العالم بحاجة لبشر يعكسون وجه مسيح الأناجيل لا وجهًا يخون رسالته باسمه. لحسن الحظّ أنّ المسيح رحمنا بإطلالته إلينا في كلّ وجهٍ يرعى الحياة في هذا العالم، مهما اعتنق صاحبه مِن كلّ عقيدة. فإن أغلق الذين يحملون اسمه باب قلوبهم في وجهه، أطلّ إلينا من قلوب أُخرى طالما أشرق إلينا منها عبر التاريخ. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
November 2025
Categories |
RSS Feed