|
خريستو المر - الثلاثاء 16 كانون الأول 2025 (الأخبار)
تنتشر فكرة شائعة لدى المسيحيّين عامّة (والأرثوذكس خصوصاً) تقول إنّ المسيحيّة تهتمّ أساساً بشؤون الحياة «الروحيّة»، وإنّ علاقتها بالحياة «الأرضيّة» لا تتجاوز التوصية بعدم إيذاء الآخرين ومساعدة الفقراء، وهو ما يُسمّى عادة المحبّة. مقابل ذلك، هناك تعفّف لاهوتيّ رخيص عن خوض النقاش في أمور الحياة المعقدة من بُنى استغلاليّة وقمعيّة: سياسات اقتصاديّة، طائفيّة، استعمار، فلسطين، لاهوت تحرير، نهب الناس. يظنّ أصحاب هذه الفكرة الشائعة، أنّ تلك الأمور تقع في ميادين خارج «المحبّة»، وأنّ الصلاة والنسك والقداسة شؤون «أعلى» منها ومركزيّة. دليلنا على ما نقول هو ببساطة محتوى المقالات اللاهوتيّة والوعظ والتربية الكنسيّة عبر أجيال وأجيال، وبلاد وبلاد، مع استثناءات نادرة. هناك ثلاثة أمور نلاحظها هنا لدى أصحاب هذا الفكر: الأوّل، هو الفردانيّة التي يعيشها الإنسان بحيث هو يرضي ضميره بأعمال محدّدة، وينكفئ إلى شؤونه الخاصة، في إهمال شبه كامل لمصير المجتمع، في ديانة قائمة على الاهتمام بالآخر، وتعتبر أنّ الله خلق العالم ويحبّه، وأنّ الإنسان عامل مع الله! الأمر الآخر، هو الاعتقاد عمليّاً أنّ المحبّة محصورة بممارسات محدّدة كالطقوس والتبرّع من وقت لآخر. لكنّ الإيمان المسيحيّ لا يسمح باستنتاج مماثل، فما من ميدان من الشؤون الأرضيّة إلّا وتشمله المحبّة، فالمسيحيّة ديانة قائمة على فكرة أنّ كلمة الله تجسّد كإنسان، بحيث باتت الخليقة مضمومة إلى الخالق، وباتت الأمور الأرضيّة سماويّة أيضاً إن كانت تُعاش بروح المسيح، أي بالعمل المستمرّ لأجل أن تكون الحياة أوفر، والنور أعمّ، والظلمة متقهقرة. وهذا يعني أنّه لا يمكن التعفّف عن الأمور المعقّدة أو اعتبارها هامشيّة، فالمحبّة ليست شعوراً ورديّاً وإنّما طريقة حياة تدفع الإنسان للنضال الدائم لتتراجع مشاريع الشرّ (قهر واستغلال)، وتتقدّم مشاريع المشاركة والوحدة ضمن التنوّع. لم تكن أعمال يسوع، سيّد المحبّة، محصورة بإطعام الجياع لمرّتين أو ثلاث، وإعانة بعض المرضى، وإنّما لبّ ما كان يصنع ويقول في حياته القصيرة هو مقاومة الظلم وفضح التناقضات والدعوة إلى التحرّر والحياة. كلامه كان قاسياً مع مَن تحجّرت قلوبهم من أصحاب السلطة، وقد شكّل ذلك خطراً على الحياة، قدّم حياته من أجل تحرّر الإنسان من الخطيئة ومن البُنى الظالمة. المحبّة تقتضي نضالاً ضدّ أمرين: تراجُع الظلم التي ترتكبه قوى الشرّ، والتخفيف من أثر قوى الكون العشوائيّة (أمراض، كوارث طبيعيّة). الأمر الثالث، الذي نلاحظه هو أنّ هذه التربية التي تفصل تعقيدات الحياة عن المحبّة، تحافظ في نفس الإنسان على ميدانين مفصومين: ميدان الحياة «الروحيّة» اللطيف المليء بالأفكار الجميلة والأفعال البسيطة التقويّة والمساعدات الخيريّة، وميدان الحياة اليوميّة «الأرضيّة» المفعمة بالعنف والكراهية والحقد والاستغلال، والجبن، والخسّة، والنذالة. عوض أن تسمح التربية الدينيّة لتعقيدات الحياة لتعبّر عن نفسها في المدى الإيمانيّ بحيث يصارح الإنسان نفسه وغيره بحقيقة ما يواجهه من مشكلات ومشاعر وصراعات في أوضاع ملموسة، فيضيء الإيمان على الخبرة الملموسة ليدفعها إلى الأفضل بينما هي تسائله لكي لا يتحجّر، ويصل الإنسان بذلك إلى مصالحة مع نفسه فيعيش المحبّة طريقة حياة تفرض صراعاً خلّاقاً وصعباً؛ عوض ذلك، تختزل التربية تلك الميدانَ الإيمانيّ بأعمال «تقويّة» وتحصره في زاوية محدّدة من الحياة، فتبقى مواجهات الإنسان وصراعاته ومشاعره الواقعيّة على فجاجتها من دون رعاية، فيخسر الإنسان بذلك نفسه إذ يعيش حياة فصاميّة مدمّرة (حروب، كراهية)، وتبقى الأوضاع الظالمة القائمة من دون مقاومة، ويخسر الإيمان فرصة مواجهة واقع الناس في عصره، فيتحجّر ويتحنّط. قال يسوع يوماً: «ما جئتُ لألقي سلاماً [على الأرض] بل سيفاً»، و«ما جئت لألقي سلاماً على الأرض، بل انقساماً، جئت لأفصل الابن عن أبيه، والابنة عن أمّها، والكنّة عن حماتها»، لأنّه جاء ليشعل المحبّة، ومَن تبنّى المحبّة طريقةَ حياة مضطر لأخذ موقف وللمواجهة، وهاتان تفصلان الناس فوراً، وتسبّبان بضيق، وأحياناً بشعور بالذنب وتأنيب للضمير الاجتماعيّ. ولهذا كتب رسولٌ ليسوع بعدما أوصى بالمحبّة التي تعمل: «إن لامتنا قلوبنا فالله أعظم من قلوبنا»، فموقف المحبّة أهمّ من الرابط الاجتماعيّ. المحبّة طريقة حياة يصارع فيها الإنسان ظلم البُنى وكهنة الظلام وعشوائيّة هذا العالم، أو هي وهمٌ يمتصّ الحياة من الأجساد والنفوس. لا بدّ من مراجعة طريقة التربية الدينيّة المسيحيّة على ضوء النار التي أشعلها يسوع القائل «جئت لأوقد ناراً على الأرض وكم أتمنّى أن تكون قد اشتعلت»، والناس تتناقل الشعلة من جيل إلى جيل، وبدورها تُشعل وترجو. Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
December 2025
Categories |
RSS Feed