|
خريستو المرّ - السبت ١٦ آذار / مارس ٢٠٢٤
حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة في عيدها الثاني والثمانين جاء كالمجنون حبّا وضرب خيامه بيننا. إلى خاصّته جاء، وخاصّته لم تعرفه، أمّا الذين عرفوه فقد أكلوا من قمح عينيه فصاروا خبزًا، وتقاسموا قلوبهم حين جاع الناس إلى شيء لم يعرفوه. انضمّ إليهم صغيرٌ لم يفهم شيئا ولم يعرف أحدًا. كان صغيرًا يلعب فلعبوا. وحين صار شابًا معهم، جاع، فأكل من خبز القلب. عرف عندها أنّه لم ير القمح يومًا وأنّ الخبز الذي كان نائمًا في القمح هو الذي يشهد للقمح. أكلوا ومن طعم الخبز نالوا جميعًا شوقًا فوق شوق للقمح. كان ضائعًا. لم يكن يعرف اسمه. وحين وجد مَن تعرّفوا على وجهه قالوا له «تعال وانظر، ولا تأبه، نحن ضائعون أيضا، فهلمّ نضيع معا». فضاعوا معا. كان فاقدا للذاكرة، كما أخبروه. قليلًا، قليلًا، نسي لم كان هناك. بدا له كلّ شيء رحلة ورحيل، أنّ العالم صحراء في الحديقة وحديقة في الصحراء. رحلوا، وفي الرحلة عرَّفوه اسمًا؛ «ليكون فينا الحبّ الذي أحبّنا به، ويكون هو فينا»، قالوا. عرّفوه اسمَ ذاك الذي كان يُرى متألّمًا وهو المنتصر، ويُرى ميتا وهو الحيّ، ويُشاهَدُ انطفاءُه وهو المُشرق. قالوا له أنّه لا يُرى إلّا في الحبّ، وأنّ الحبّ طريقة حياة. وقالوا أنّه في الوسط، وأنّ الوسط في القلب، وأنّهم دائرة. وحين رأى، كان الاسم الذي في الوسط وجهًا، وتذكّر هو اسمَه القديم: هابيل. قليلاً، قليلًا، عادت به الذاكرة إلى الشوق الذي كَبُر في الحارات، إلى العطش الذي يشي بالماء الخفيّ. قليلًا، قليلًا، ترك اسمه وقال «ما لي وله، أنا اسمي ذاك الشوق النائم في الحارات». وجَبَلَ الشوقُ الترابَ، وصنع طينًا غريبًا، وطلى بالدهشة عينيه، وقال له: اذهب. فذهب وغسله عينيه بالبكاء فرأى نفسه في قافلة. وتأمّل الأفق فرآه وجها، وكان الوجه نورًا؛ مَثَلَ نورِه مَثَل بابٍ فيه مصباحٌ، المصباحُ في زجاجةٍ، الزجاجةُ كأنّها كوكبٌ دُرّي يوقَدُ من رغبةٍ مباركة، لا شرقيّة ولا غربيّة، زيتها يضيء ولو لم تمسسه نارٌ. عرف لاحقا أنّها قافلة المحبّين، أولئك الإخوة الذين ولِدوا لا من رغبة لحم ولا دم، بل من الضوء والشوق ولدوا. ومذ رأى القافلة غدت القافلةُ السفينةَ، والبيتَ بالمنازل الكثيرة، ورأى نفسه رفيق مَن سبقه ومن لحقه من رفاق القافلة. وأحبّ أنّ القافلة تقول أنّ الوحيدين في العالم ليسوا وحيدين، وأنّ الإخوة أشعلوا أنفسهم في الظلمة كي لا يهلك الغرباء. وتعلّم معهم أنّ النور يحتاج لأجسادهم وعقولهم كي تكون الحياة نور الناس، وعرفوا أن النور يضيء في الظلمة والظلمة لا تدركه. تَعِبٌ هو الجسدُ. نشيطٌ هو الروح. تمسّك بالطفولة وبالقافلة يا أنت؛ يا أنا؛ يا نحن. تمسّك بطفولة القافلة، واصغ لأغنية الشباب والحالمين حتّى لا يلامس القلب الصدأ فتخبو الشعلة. العالم جائع فلا تنسى الخبز الذي أنت، يا أنت، يا أنا، يا القافلة، وإلّا من يشهد للقمح؟ ومن يقول الكلمة في وجه الطغاة، ويوزّع الشوق ماءً لأجل الحياة؟ هل نأكل حين نجوع من قمح عينيه لنصير خبزًا؟ هل تركنا الوحيد وحيدًا؟ يا أنت الوحيد المعلّق على الوحدة ولست وحيدا. يا أنت القمح والخبز، والكرمة والخمر. يا أنت الغاية والطريق إليك. هل عرفناك؟ عرفناك ولم نعرفك، أحببناك ولم نحبّك، فأعِن قلّة حبّنا. أرنا جمال عينيك لنصحو بالسكر قبل إغفاءتنا الأخيرة. ولكن هل تركنا الوحيد وحيدًا؟ Comments are closed.
|
الكاتبخريستو المر الأرشيف
November 2025
Categories |
RSS Feed