موقع خريستو المرّ
  • كتب
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة

القسّ متري الراهب: لا يمكن اللاهوت بعد غزة أن يكون كاللاهوت قبلها

10/13/2024

 
خريستو المر، الأحد 13 تشرين اول 2024

المسيحية الصهيونية ليست مجرّد بدعة إنّها لوبي سياسي

لا بدّ من إعادة قراءة الكتاب المقدس كأدب مقاومة
القسيس الفلسطيني الدكتور متري الراهب، راعي كنيسة الميلاد الإنجيلية اللوثرية في بيت لحم، هو مؤسس كلية دار الكلمة الجامعية. كاتب لاهوتي، مؤلف كتاب «إنهاء الاستعمار في فلسطين»، وقد حاز كتابه «بيت لحم محاصرة»، الذي يحكي قصة حصار كنيسة المهد كما عايشها من نافذة بيته، جائزةَ أفضل كتاب روحي ينشر في الولايات المتحدة في عام ٢٠٠٤. في هذا الحوار، بعد مرور عام على الإبادة المستمرة في غزة، يتحدّث عن موقف الكنائس من الحرب وعن دور الصهيونية المسيحية

ما هو تقييمكم لموقف الكنائس -شرقيّة وغربيّة- المقيمة في بلادنا من حرب الإبادة الحاليّة؟
الإبادة تطال شعب الكنائس في فلسطين. أكان في غزّة هناك كنائس مسيحيّة أصيلة وليست مستحدثة، تعود جذورها إلى ما يزيد على 1600 عام، وبالتالي لها أعضاء ومؤسّسات وكنائس في غزّة. ولكن بشكل عام موقف الكنائس هو موقف دعم للصمود، ولكنّه سياسيّاً موقف ينتابه شيء من الحياء. صوت الكنيسة المحلّية خافِت، ربّما لأنّ الكثير من رؤسائها هم من الأجانب وليسوا من الفلسطينيّين.
هناك تنديد، هناك بيانات، ولكن ليس هناك صوت نبوي واضح وقوي وفاعل، هذا ما ينقصنا في فلسطين حالياً. ولكن هناك أصوات لمسيحيين طبعاً قوية ونبوية وتخاطب العالم بشكل عام.
وماذا عن مواقف الكنائس في بلاد العرب خارج فلسطين؟
أعتقد أنّ كنائس الشرق الأوسط منقسمة على ذاتها، وأكثر الكنائس تأخذ موقف زعمائها. فالموقف في مصر مثلاً يختلف عن الموقف في سوريا، ويختلف عن الموقف في لبنان، وفي داخل لبنان هناك مواقف عدة، فالموقف الأرثوذوكسيّ ربما يختلف عن الموقف الماروني؛ وفي الأردن ربما هناك أيضاً موقف يتبع موقف القدس إجمالاً. بالتالي، فإنّ الصورة ليست نمطية وليست واحدة، بل هناك أصوات وأنماط متعددة في الكنائس، بعضها قوي وبعضها أضعف.
تكلمت عن المواقف النبوية فماذا عن موقف كايروس، لقد كان موقفاً نبويّاً في السابق فما هو الموقف اليوم؟
كايروس، أو «وقفة حقّ»، مبادرة لها موقف قوي من حرب الإبادة وهي تجاهر بذلك هنا وفي الخارج. ولكنّها ليست مؤسسة كنسية بهذا المعنى، فهي مبادرة مسيحية ولكنّها ليست مبادرة كنسيّة؛ وبالتالي فإنّ كايروس لا تعبّر اليوم عن صوت الكنائس في القدس، وإنما هي صوت يتحدى ويحاول أن يدفع كنائس القدس لأخذ موقف أكثر قوة.
ما هو تقييمكم لموقف الكنائس المقيمة في الغرب من حرب الإبادة؟
الكنائس في الغرب منقسمة على ذاتها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. فهناك في أقصى اليمين المسيحيون الصهاينة وكنائسهم الحرّة ليس فقط في أميركا، وإنما أيضاً في أوروبا وأفريقيا وحتى في أميركا اللاتينية، هناك قوى مسيحية صهيونية في تنامٍ مستمر وهو أمر مقلق، ولكن أيضاً هناك كنائس تقف مع الحق الفلسطيني، مع حق تقرير المصير ضد الإبادة. مثلاً في أميركا، للكنيسة المشيخية، وكنيسة المسيح المتّحدة (United Church of Christ)، وكنيسة التلاميذ، والكنائس اللوثريّة، دور قوي؛ فقد طالبوا الحكومة الأميركية بعدم إرسال أسلحة إلى إسرائيل، كما أنّ الكنيسة المشيخية سحبت استثماراتها من مصانع أو مؤسسات تدعم الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية. إذاً، هناك كنائس لها مواقف مشرفة أكثر من الدول العربية وحتى الإسلامية. لا بد للحقّ بأن يُقال، وأن نشكر الكنائس التي تأخذ موقفاً قويّاً وتدفع ثمنه. اليوم بعض الكنائس تدفع ثمن وقفتها مع الشعب الفلسطيني، فهي أحياناً تُجرّ إلى المحاكم في محاولة لتشويه سمعتها. هذه الكنائس في الغرب لها مواقف أقوى من الكنائس في القدس، هذا حق لا بد أن يقال. ولكن أيضاً هناك المسيحيّة الصهيونية والتي تدعم حرب الإبادة.
أريد أن أتابع مع موضوع المسيحية الصهيونية. كيف تواجه الكنائس المختلفة المسيحية الصهيونية؟ هل هناك مواجهة لهذه الأيديولوجية داخل الكنائس المسيحية؟
نعم، في الواقع كنائس ومنذ أمد بعيد تحاول أن تسلط الضوء على خطر المسيحية الصهيونية. مثلاً، بالأمس كان لي لقاء مع الكنيسة المشيخية في الولايات المتحدة عبر الإنترنت حول موضوع المسيحية الصهيونيّة والاستعمار الإحلاليّ والقوميّة الدينيّة. المسيحية الصهيونية حسب ما شرحتها في كتابي الجديد «إنهاء الاستعمار في فلسطين» (Decolonizing Palestine) ليست فقط مجموعة تقرأ الكتاب المقدس بطريقة خطأ، أي إنّها ليست مجرّد بدعة مسيحية، إنّها لوبي داعم لاستعمار الأرض الفلسطينية وإحلال اليهود بدلاً من الفلسطينيين فيها، لوبي يستغلّ أو يستخدم مجرّد بضع آيات من الكتاب المقدس من مجمل الكتاب، ليفسّروها كما يروق لهم. وبالتالي، هذه حركة خطرة جداً، تجمع الأموال من أجل دعم إسرائيل عسكرياً؛ إنّها لوبي سياسي داعم لإسرائيل في الكونغرس، ولكن أيضاً في دول أوروبا، وحتّى في بعض دول أفريقيا وأميركا اللاتينية (البرازيل، مثلاً، أثناء حكم الرئيس السابق بولسونارو كانت أكبر مثال).
كما إنّه لا بدّ أن نرى أيضاً المسيحية الصهيونية اليوم كجزء من صعود اليمين الديني المتطرف بكل أشكاله. هناك اليوم يمين ديني يهوديّ في إسرائيل تمثله بعض التيارات في الحكومة الإسرائيلية الحالية، وهناك صعود اليمين في الولايات المتحدة كما رأينا أثناء رئاسة الرئيس الأميركيّ السابق ترامب (الذي قد يعود للحكم)، وهناك يمين بولسونارو في البرازيل، ويمين مودي في الهند، إلى ما هنالك. هكذا نرى صعود يمين متطرف يربط القوميّة والعنصريّة والدين في بوتقة واحدة وهذا هو خطر هذه الحركات. المسيحية الصهيونية اليوم هي جزء من هذا الحراك، وهذا الحراك يدعم المسيحية الصهيونية.
جامعة دار الكلمة اهتمّت بهذا الموضوع، فأقمنا قبل سنتين في تشيلي مؤتمراً عاماً لكل أميركا اللاتينية حول المسيحية الصهيونية في أميركا اللاتينية؛ وهناك مؤتمر دولي سنقيمه في الأردن في شهر كانون الثاني من عام 2025 عن موضوع المسيحية الصهيونية وأثرها على مسيحيي الشرق لأنّ المسيحيّة الصهيونيّة معادية أيضاً للمسيحيين في الشرق. وفي شهر أيّار من عام 2025 ستقيم الجامعة أيضاً مؤتمراً ثالثاً في الدنمارك عن المسيحية الصهيونية في الدول الإسكندنافية. جامعتنا في الواقع تحاول أن تجمع المفكرين الذين عملوا هذا الموضوع للتفكير في طرق لمواجهة هذا المدّ المسيحي الصهيونيّ الذي يؤثر علينا. وأشير إلى أنّ هناك فصلاً كاملاً عن موضوع المسيحية الصهيونية وإعادة تعريفها في كتابي «إنهاء الاستعمار في فلسطين».
هل هناك مشاريع تعمل عليها الكنيسة أو المؤسسات التي تديرها لتعزيز الصمود الفلسطيني في مواجهة التحديات الراهنة؟
طبعاً. يشكّل المسيحيون اليوم في فلسطين ما نسبته 1% من مجموع السكان. ولكن في دراسة قامت بها جامعة دار الكلمة منذ أربع سنين عن المؤسسات المسيحية، هناك حوالى ثلاثمئة مؤسسة مسيحية تعمل في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية (لم نستطع أن نغطّي فلسطين التاريخية). هذه المؤسسات تشكّل ثالث أكبر مشغّل في فلسطين بعد الدولة السلطة الفلسطينية التي تُعتبر أكبر مشغّل، والتي يليها وكالة غوث اللاجئين (الأونروا). المؤسسات الكنسية تشغّل ما يقارب من تسعة آلاف شخص، مع أنّ كل المسيحيين هم أقل من 50,000 شخص. تضخّ المؤسّسات الكنسيّة تلك في الأراضي الفلسطينية في فلسطين ما تزيد قيمته على أربعمئة مليون دولار أميركي بالسنة.
إذا نظرنا إلى مؤسسات المجتمع المدني في فلسطين 45% منها تقريباً أسسها مسيحيون فلسطينيون. وإذا أخذنا قطاع الصحة، فإنّ ثلث الخدمات الصحية في فلسطين تقدّمها المؤسسات الكنسية، وإذا أخذنا مواضيع الرعاية الاجتماعية وغيرها نرى دوراً واضحاً للكنائس. وطبعاً هناك دور للكنائس في التربية، فهناك جامعتان، هناك كلّيتان، وهناك حوالى أكثر من 60 مدرسة مسيحية تعمل في فلسطين. وبالتالي، فإنّ دور الكنائس ودور المؤسسات المسيحيّة لا يستهان بهما ولا يقارنان بالنسبة العدديّة للمسيحيين. وبالطبع، هذه المؤسّسات هي لجميع الفلسطينيين، يستفيد منها الفلسطينيون كافة من دون تمييز.
في رأيك، كيف يمكن للإيمان أن يكون مصدراً أو أن يلعب دوراً في عملية تحرر الفلسطيني؟ أحياناً يبدو لي بأن هناك تيّارات فكرية وإيمانية تقول إن الإنسان عليه أن ينتظر العدالة في السماء وإنه هنا على الأرض عليه أن يصلي ويصوم... فكيف يمكن للإيمان أن يكون مصدراً أو ملهماً في عملية التحرّر؟
في الواقع أنا أعتقد أن الإيمان المسيحي بالذات أيضاً مهم جداً في أي عملية تحرّر، لأن قراءة الكتاب المقدس في سياقه التاريخي تبيّن أنّ الكتاب المقدس، كما أرى، هو مجموعة من أدب المقاومة، كتابات من أدب المقاومة، وهذا له علاقة بتاريخ فلسطين. ففلسطين، للأسف، على مدى قرون كثيرة عاشت تحت احتلالات من القوى الإقليمية الكبيرة المحيطة بها، وبالتالي إنّ الكتاب المقدس الذي خرج من فلسطين حاول أن يجيب عن أسئلة مصيرية عدة لشعب أرض فلسطين. لأنّ القوة الغاشمة المحتلّة، أو الإمبراطوريات، تشعر وتظنّ أنها هي الله، لأنها كلّية القوة إذ لديها كلّ القوة العسكرية، وهي كلية المعرفة لأنّ لديها يتمّ إنتاج المعرفة، وهي موجودة في كلّ مكان بفضل التقنيات الجديدة ومنها تكنولوجيا المراقبة. هكذا، فالإمبراطوريات تتصرف وكأنها الله على الأرض. شعب فلسطين الذي عانى الأمرّين من بطش الإمبراطوريات كان يسأل نفسه أين أنت يا الله؟ هل يُعقل نكون الكلمة الأخيرة للإمبراطورية؟ ولهذا فالإيمان المسيحيّ خرج من فلسطين. الإيمان المسيحي لم يخرج من الإمبراطوريات، بل من دولة كانت محتلّة. لقد كتبت أكثريّة الكتب المجموعة في الكتاب المقدّس تحت الاحتلال. أسفار العهد القديم أكثرها كُتِبَ تحت الاحتلال الآشوري أو البابلي أو الفارسي؛ والعهد الجديد كُتِب تحت الاحتلال الروماني. وبالتالي لا بدّ من إعادة قراءة الكتاب المقدس كأدب مقاومة. لا يمكن سلخ الإيمان المسيحي عن المقاومة. حتى قصة المسيح يمكننا أن نقرأها كقصة إنسان فلسطيني قاوم الإمبراطورية الرومانية. ولهذا لا نستطيع أن نفهم موضوع ملكوت الله إلا إذا فهمنا الإمبراطورية/ فملكوت الله قوة البديل الإلهي للإمبراطورية: الإمبراطورية هي إمبراطورية قائمة على بطش القوة، بينما الملكوت قائم على قوة المحبة، وقوة العدالة، وهذه هي المفارقة بين الإمبراطورية وبين الملكوت. بالتالي لا يمكن للإنسان أن يكون مسيحياً وأن يعيش فقط كإنسان مستهلك منزوٍ عن العالم. لا، الإنسان المسيحي هو إنسان واعٍ لما يحدث حوله، يبحث، يحلل، يفكر، يصلي، ويعمل. هذا هو، في رأيي، الإنسان المسيحي كما أراده الله.
هل يقدر الإنسان أن يكتفي بأنه يصلي لكي ينتهي الظلم؟ مثلاً، ما رأيك في شخص يقول لك إنّه لا يؤذي أحداً، ويكتفي بأن ينزوي ويصلّي لكي ينتهي الظلم؟
طبعاً لا. عندنا بالشرق الأوسط عقدة المخلص المنتظر. بغض النظر من هو أكان هو صلاح الدين، أم صدام حسين، أم أحداً آخر. كأنّا نريد أن يأتي مخلّص على فرس ويخلّصنا من كل مشكلاتنا. الإيمان المسيحي يقول إنّ المخلّص أتى. أي لا يمكننا انتظار مخلّص بعد. الانتظار هو تضييع وقت. المخلص أتى وقال ما كان يجب أن يُقال، عمل ما كان يجب أن يُعمل، والباقي هو مسؤوليّتنا. نحن اليوم أيادي الله في هذا العالم. وبالتالي الصلاة وحدها لا تكفي.
في منتصف شهر أكتوبر 2023 عندما قصفت الطائرات الإسرائيلية الكنيسة الأرثوذوكسية في غزة. اتصلت بعد دقائق بالكنيسة اللاتينية، لأن أحداً لم يردّ في الكنيسة الأرثوذكسيّة. ردّ أحد الأصدقاء، وبعد دقائق استطعت الكلام مع راهبة، كانت الراهبة تصرخ وتقول ما معناه دمّروا الكنيسة وقتلوا الناس. قلت لها نحن نصلّي لكم، فماذا كان جواب الراهبة؟ قالت لي: لا نريدكم أن تصلّوا. ففي ذاك الموقف، غزّة لم تكن تحتاج أن نصلّي، كانت تحتاج إلى فعل. وهذا ما نقوله للكنائس في الغرب. يكفي صلاة، نريد منكم فعلاً، يكفي وعظاً نريد فعلاً. الإيمان المسيحي هو إيمان فاعل واعٍ، وليس إيماناً يقتصر على الصلاة منتظراً الفرج من الله.
كيف يمكن للكنائس الفلسطينية والعربية أن تدعم عملية تحرر الفلسطيني في أميركا الشماليّة وأوروبا؟
المسيحيون العرب في الغرب منقسمون على ذاتهم. هناك كنائس منزوية تعيش وكأنها في غربة، غير قادرة على التأقلم مع المجتمع الغربي، فتنزوي على ذاتها وبالتالي يبطل أي دور فاعل لها. هذا ينطبق خاصة على المهاجرين من الجيل الأول والثاني. اليوم أرى أنّ الجيل الشاب الثالث والرابع، الذي أقابله في الغرب من أصول شرق أوسطية، أرى روحاً أخرى. أولاً، هو يجيد اللغة والثقافة الغربيّة، وبالتالي يمكنه أن يعبّر عن نفسه في اللغة نفسها التي يفهمها شعبه. ثانياً، هو متعلم وهذا أمر مهمّ جداً. ثالثاً، هو مطّلع على ما يحدث في فلسطين عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي. ورابعاً، هو فاعل، فهو يقود المظاهرات، مثلاً، ولديه صوت وازن في الجامعات كما نرى عبر انتشار مجموعات طالبيّة من أجل العدالة في فلسطين عبر الجامعات كلّها تقريباً. هذا لم يكن ممكناً دون الجيل الثالث والرابع. هذا ما يجب التركيز عليه. بصراحة، لا أعوّل كثيراً على الكنائس، من يعمل مع الكنائس الرسميّة كبُنى مؤسّساتيّة يكاد لا يرى أملاً. لكن اليوم لدى هؤلاء الشباب روح جديدة.
في جامعة دار الكلمة لدينا مشروع سمّيناه «الجسر بين البقية الباقية والمهجر» وجمعنا في شهر أيّار 2024، جمعنا في لارنكا حوالى 20 طالب دكتوراه في اللاهوت من مختلف الكنائس من مختلف دول الشرق الأوسط، وبغض النظر عن مكان إقامتهم. هؤلاء الشباب العشرون يعملون على مواضيع مهمّة جداً، مستقبل منطقتنا وشعبنا. أتى كلّ واحد منهم محبطاً، ولكن حين اجتمعوا معاً رأوا أن همومهم مشتركة وخبرتهم مشتركة، وبالتالي فكّروا في أنّهم يمكنهم أن يكونوا جيل التغيير. أنا أعوّل على هذا الجيل وهذا المشروع. في الواقع سنكمل في المشروع في السنة القادمة لنجمع هؤلاء الشباب طلّاب دكتوراه اللاهوت من جديد مع شباب يدرسون دكتوراه فقه أو علم كلام، بغضّ النظر عن مكان إقامتهم سواء أكانت في الغرب أم في بلادنا، لنفكّر في دورنا كمؤمنين في رقيّ العالم العربيّ. أريد أن أعوّل على هذا الجيل ولهذا تركيزنا اليوم على هذا الجيل.
للأسف، الكثير من الكنائس أصبح مترهلاً، والكثير من قياداتها يفتقر إلى الرؤية وإلى الإرادة في التغيير. هذه ليست روح الكتاب المقدس ولا روح الله الذي يدعونا دائماً إلى التجديد والتغيير، إلى تغيير مجتمعاتنا والانخراط فيها، وبناء بديل عمّا هو قائم. كما نادى المسيح ببديل الملكوت اليوم، نحن مطالبون اليوم بأن نعمل نحو بديل لمجتمع عادل حر، مجتمع يقوم على المساواة، مجتمع قانون. هذه هي المجتمعات التي نريد أن نبنيها، طبعاً هذا أمر صعب، ولكن لا يمكن أن نفقد الأمل في مجتمعاتنا، ويبقى الرجاء هو البوصلة التي تحركنا.
كقس وكمفكر، ما هي رسالتك لأهل المنطقة في ذكرى مرور عام على حرب الإبادة في غزة وفي فلسطين؟ وهل من كلمة أخيرة تحب أن توجهها؟
في الواقع، حرب الإبادة في غزة هي مثل عدسة مكبّرة بتنا نرى عبرها الأمور بوضوح. اليوم، لا يمكن اللاهوت بعد غزة أن يكون كاللاهوت قبل غزة. اليوم، يجب أن نفكر في كثير من قضايا لم نكن نفكر فيها قبلاً. اليوم أصبح واضحاً أنّ الفلسطينيين لا يواجهون إسرائيل وحدها، وإنّما هم يواجهون الإمبراطورية، أي الرأسمالية العالمية التي نسميها الإمبريالية، ودول الغرب التي باعتنا كلاماً عن حقوق الإنسان حتّى شبعنا، وصرفت المليارات لتعليم حقوق الإنسان، وعندما احتجنا نحن إلى حقوق الإنسان لم نرَهم حولنا اليوم.
لا بد من التفكير في ثقافة الموت التي تجلبها الآلة العسكرية الغربية. فلسطين هي نموذج لما يحدث في الكثير من دول العالم، في فلسطين ترى الأمور أوضح من أي مكان آخر في العالم، ترى ثقافة الموت هذه، آلة الموت هذه (necro politics). نرى آلة الموت التي تريد تدمير الناس والتي رأيناها تتوحّش في لبنان. ونرى اليوم فكرة تفوّق العرق الأبيض والعرق الإسرائيليّ على غيره، وأنّه قادر على السيطرة على كلّ شيء وكمّ الأفواه. كلّ هذا يحتاج إلى وقفة جديدة. وهذا أمر سعت جامعة دار الكلمة أن تقوم به عبر عقد مؤتمر جمعت فيه ثلاثين لاهوتيّاً من أشهر اللاهوتيين في العالم، للتفكير في التحدّيات اللاهوتيّة التي تفرضها علينا حرب الإبادة في غزّة، وما هو الدور الأكاديميّ بعد غزة. اليوم في أميركا، الأساتذة، وحتى اليهود منهم، الذين يتعاضدون مع غزّة، يلاحقون، فأين الحرّية؟ أين حرية الفكر وحرية المعتقد، وحرية الرأي، وحرية البحث العلمي؟
دعوتي للمفكرين في دول الجنوب، ولكن أيضاً للمفكرين الأحرار في دول الشمال، هي لإقامة شبكة جديدة للتفكير في معنى العالم، ومعنى المستقبل، أمام ثقافة الموت وجحافل العسكر والذكاء الاصطناعي التي نراها اليوم تتحكم في كثير من قضايا العالم. هذه دعوتي وأملي، وهو ما نعمل له، هو ليس بأمل بقدر ما هو خطّة ومشروع في جامعة دار الكلمة.

Comments are closed.

    الكاتب

    خريستو المر
    المقالات المنشورة في «الأخبار»

    الأرشيف

    November 2025
    October 2025
    September 2025
    August 2025
    July 2025
    June 2025
    May 2025
    April 2025
    March 2025
    February 2025
    January 2025
    December 2024
    November 2024
    October 2024
    September 2024
    August 2024
    July 2024
    June 2024
    May 2024
    April 2024
    March 2024
    February 2024
    January 2024
    December 2023
    November 2023
    October 2023
    September 2023
    August 2023
    July 2023
    June 2023
    May 2023
    April 2023
    March 2023
    February 2023
    January 2023
    December 2022
    November 2022
    October 2022
    September 2022
    August 2022
    July 2022
    June 2022
    May 2022
    April 2022
    March 2022
    February 2022
    January 2022
    December 2021
    November 2021
    October 2021
    September 2021
    August 2021
    July 2021
    June 2021
    May 2021
    April 2021
    March 2021
    February 2021
    January 2021
    December 2020
    November 2020
    October 2020
    September 2020
    August 2020
    July 2020
    June 2020
    May 2020
    April 2020
    March 2020
    February 2020
    January 2020
    December 2019
    November 2019
    October 2019
    September 2019
    August 2019
    July 2019
    June 2019

    Categories

    All

    RSS Feed

 ليس من حبّ أعظم من هذا : أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه: يسوع المسيح
  • كتب
  • محاضرات
  • مقالات في «الأخبار»
  • المقالة الأسبوعيّة
  • الإيمان والحياة اليوميّة
  • فلسطين
  • التزام شؤون الإنسان
  • الإيمان والثقافة
  • كلمات
  • خريستو المرّ
  • مواقع صديقة